الحديدة.. هكذا قطعت أوصالها الأنفاق والحواجز والمعارك

خطة الحوثيين لمواجهة خصومهم عبر حفر الخنادق ووضع حواجز على الطرقات خلق مشاكل لا حصر لها للسكان (مواقع التواصل)
خطة الحوثيين لمواجهة خصومهم عبر حفر الخنادق ووضع حواجز على الطرقات خلق مشاكل لا حصر لها للسكان (مواقع التواصل)

الحديدة-الجزيرة نت

كانت الحافلة الصغيرة بهدير محركها الصاخب تمر في شارع القدس جنوبي مدينة الحديدة، وعند حاجز نصبه المسلحون الحوثيون أُجبرت على العودة من نفس الطريق، فالعبور استحال من هناك بسبب الأنفاق والحفريات المستحدثة.

اقترح "منصور" على السائق سلوك الطريق البحري، ومن زجاج النافذة كان طفلاه مندهشيْن وهما يراقبان الانتشار الكبير للمسلحين الحوثيين، ومرة أخرى عند حاجزٍ مُنعوا من المرور.

بصوت منخفض قال منصور لمسلح حوثي كان يرتدي لباسا يمنيا تقليديا خفيفا والعرق يتصبب من جبينه "كل الشوارع مغلقة.. فمن أين أصل إلى منزلي؟".

اقترح عليهم المسلح العبور راجلين، وبعد نحو 20 دقيقة، وصل منصور وطفلاه إلى المنزل.

يقول منصور إن الأوضاع الجديدة والحرب التي تشهدها مدينة الحديدة منذ نحو شهر، ستفرض عليهم ما هو أشد، بعد أن حفر الحوثيون عشرات الأنفاق في المدينة الخاضعة لسيطرتهم.

أحد الخنادق التي حفرها الحوثيون في مدينة الحديدة (مواقع التواصل)

أنفاق وحفريات
وصنع الحوثيون عشرات الأنفاق في الأحياء الجنوبية للمدينة، والطرق الرابطة بينها، تحسباً لتقدم القوات الحكومية وقوات التحالف الإماراتي السعودي التي تقودها -هذه المرة- الإمارات، للسيطرة على المدينة ومينائها الإستراتيجي على البحر الأحمر.

ومنذ 13 يونيو/حزيران الماضي، تشن القوات الإماراتية عملية عسكرية للسيطرة على المدينة، ووصلت يوم 19 منه إلى المطار جنوبي المدينة، قبل أن تتوقف بضغط دولي لفسح المجال أمام تحركات المبعوث الأممي إلى اليمن.

ويقود المبعوث مارتن غريفيث مشاورات مكثفة مع جميع أطراف النزاع في اليمن، بهدف تحقيق انسحاب غير مشروط للحوثيين من مدينة الحديدة ومينائها.

لكن الحوثيين استغلوا توقف المعارك في الأسبوعين الماضيين وشكّلوا خطوطا للدفاع عبر حفر عشرات الخنادق ونصب الحواجز الترابية في الأحياء الجنوبية، مما أعاق حركة السكان الذين بدوا بلا حيلة، ولم يستطيعوا النزوح.

يقول منصور الذي يعمل في متجر لبيع الملابس الجاهزة "سيكون علينا أن نتعامل مع الأحداث الجديدة، بعدما أصبحنا معزولين عن شوارع المدينة".

ويضيف بحسرة "الآن نحن مجبرون على المشي في هذا الحر والشمس في طريقنا إلى العمل.. ساعة رايحين وساعة راجعين.. حتى تنقشع هذه الغمة".

وتضاعف درجة الحرارة المرتفعة التي تصل في بعض الأحيان إلى 40 درجة مئوية؛ من مأساة السكان، خصوصاً في ظل الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي.

عزلة كاملة
كما تسبب حفر الخنادق في تدمير شبكات المياه، فانقطع الماء عن مئات المنازل، خصوصاً في الأحياء الجنوبية والغربية، في ظل التحذيرات من تفشي الأوبئة.

وتقول إيمان، الطالبة في كلية الآداب بجامعة المدينة وتسكن في "حارة اليمن" قرب الساحل، إن "المياه منقطعة عن منزلنا منذ أسبوعين، ونعتمد على خزانات المياه (المدب)، بعد أن حفر الحوثيون نفقاً في الطريق الساحلي القريب من حينا".

ويهدد انقطاع المياه بتفشي وباء الكوليرا في المدينة التي كانت موطناً لتفشيه العام الماضي.

وقال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن نيفيو زاغاريا إن إمدادات المياه المحلية في الحديدة تضررت بسبب النزاع، مما أدى إلى زيادة مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الماء مع تحول الناس إلى مصادر مياه غير مأمونة.

ولم تتضرر شبكات المياه فقط من تلك الحفريات، بل تعدى ذلك إلى تضرر كبلات الألياف الضوئية الخاصة بخدمة الاتصالات والإنترنت.

وأُغلقت الطرقات في الأحياء الجنوبية على خطوط التماس والطريق الساحلي والأحياء القريبة من الميناء شمالي المدينة التي صارت تبدو مقطّعة الأوصال، حسبما يقول السكان.

ويقول عبد الله -وهو موظف في الميناء- إن سكان الحي القريب من الميناء يصعُب عليهم الحركة.

إستراتيجية الحرب
قيادي في جماعة الحوثيين أوضح للجزيرة نت أن حفر الخنادق ونصب الحواجز الإسمنتية والسواتر الترابية جزء من إستراتيجية الحرب التي يشنها "العدوان"، في إشارة إلى تحالف الإمارات والسعودية والقوات الحكومية.

ويقول المسلح الذي ينتمي إلى المدينة -مفضّلاً عدم ذكر اسمه- إن الأوضاع كانت آمنة وهادئة في المدينة قبل شن العمليات العسكرية، "وهم (قوات التحالف والحكومة) من يتحملون تلك العواقب.. نحن لن نسلم أرضنا للأجنبي الذي يحتلنا.. سنقاتل حتى النهاية، وهذه المعاناة جزء من الحرب الظالمة التي يشنها العدوان".

ويشير إلى أن تلك الإستراتيجية جزء من حرب الشوارع، ويقول "نحن ننتظرهم في المعركة الأم.. معركة المدينة.. سنريهم بأسنا وقوتنا".

ويستدرك "لكن السيارات والشاحنات بإمكانها المرور في أي شارع بالمدينة الآمنة، والحديث عن إغلاق الطرقات وما إلى ذلك هو مبالغات وتهويل إعلامي من قِبل إعلام العدوان".

ويقول الخبير العسكري طالب الشرفي للجزيرة نت إن حفر الخنادق حيلة ذكية من الحوثيين لمواجهة تقدم القوات الحكومية في المدينة إذا ما تطورت الأحداث وشنت الأخيرة هجومها على المدينة.

وأضاف أنه يَصعب قصف مواقع الحوثيين القريبة من منازل المدنيين، كما أنه يصعب أن تجتاز عربات القوات الحكومية الطرق الرئيسية باتجاه الميناء، "إلا بعد أن تكون قد تعرضت لخسائر كبيرة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تصدر اسم الحديدة الأخبار القادمة من اليمن، خصوصا ما يتعلق بالسيطرة على المطار، فتارة يُعلن التحالف الإماراتي السعودي والقوات الحكومية انتزاعه من الحوثيين الذين سرعان ما أعلنوا استعادته مجددا.

بلا حيلة، يواجه سكان مدينة الحديدة غربي اليمن مأساة الحرب التي اندلعت بين المسلحين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من القوات السعودية والإمارات، منذ الأسبوع الماضي في الأحياء الجنوبية.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة