انتخابات باكستان.. سلطة متغيرة وسياسة ثابتة

منافسة ساخنة في انتخابات باكستان في ظل توتر أمني شديد (رويترز)
منافسة ساخنة في انتخابات باكستان في ظل توتر أمني شديد (رويترز)

علي صبري

منذ عودة الحياة الحزبية في باكستان بعد مقتل الجنرال ضياء الحق عام 1988 بقي تولي السلطة التنفيذية متداولا حصريا بين الحزبين الكبيرين، حزب الشعب بقيادة عائلة بوتو، وحزب الرابطة الإسلامية باختلاف فروعها بعدما شهدت عدة انشقاقات، لكن جسمها الأساسي بقي تحت قيادة نواز شريف.

أما تولي السلطة اليوم فمن المتوقع أن يشهد تغييرا جوهريا، وقد يشكل انعطافة حادة في الحياة السياسية الباكستانية بدخول لاعب جديد ينافس على السلطة بقوة، وهو نجم لعبة الكريكيت السابق عمران خان وحزبه حركة إنصاف.

صحيح أن معظم استطلاعات الرأي تتوقع فوز الرابطة الإسلامية، إلا أن حظوظ "إنصاف" عالية، ويتوقع بعض المراقبين فوز الحزب، مرجعين هذا التغيير إلى ميل المؤسسة العسكرية لصعود عمران خان إلى سدة الحكم على حساب الرابطة التي يقبع زعيمها ورئيس الوزراء السابق نواز شريف في السجن بعد إدانته بالفساد.

يبقى أن كافة استطلاعات الرأي تحصر السباق الحقيقي بين الرابطة وإنصاف بفارق بسيط، وهو ما يزيد فرص المفاجآت.

خلال العقود الثلاثة الماضية كانت السلطة محصورة بين حزب الشعب والرابطة الإسلامية بالتناوب تقريبا، وجرى حل حكومات الحزبين المنتخبة أكثر من مرة بتهم الفساد، بمعنى أن ظاهرة الفساد متجذرة في الحياة السياسية بباكستان، وربما هذا ما رفع أسهم عمران خان وحركته في المحطات الانتخابية التي شاركت فيها منذ انطلاقتها عام 1996.

وبعد أن فشلت الحركة في مشاركتها الأولى عام 1997 في دخول البرلمان نجح عمران خان في تأمين مقعد وحيد له شخصيا في انتخابات 2002، ولم تسجل الحركة حضورا تحت قبة البرلمان عام 2008 بسبب مقاطعتها الانتخابات، إلا أن انتخابات 2013 شهدت قفزة واسعة للحركة بحصولها على 35 مقعدا وبنسبة 16% من الأصوات لتصبح القوة السياسية الثالثة في البلاد.

استطلاعات رأي تتوقع أن يكون عمران خان رئيس الوزراء الجديد في باكستان (رويترز)

خسائر قوم عند قوم فوائد
يستفيد عمران خان من أزمة الرابطة بدخول زعيمها الأول نواز شريف السجن في قضية فساد، وتراجع حزب الشعب بشكل سريع بعد مقتل زعيمته القوية بينظير بوتو عام 2007، وتولي زوجها آصف زرداري زعامة الحزب، قبل أن تؤول قيادة الحزب إلى ابنهما بيلاول بوتو زرداري (30 عاما)، واتهام عدد من رموز الحزب الفساد.

البعد العائلي حاضر بقوة في مسيرة الأحزاب السياسية، ولذلك تتوارث العائلات قيادة الأحزاب التقليدية، مثل الرابطة الإسلامية وحزب الشعب حتى لو كان الوريث ضحل التجربة وفاقدا الخبرة السياسية، لأن الناخب الباكستاني تقليدي في ولائه السياسي لدرجة ما، وتبقى رمزية العائلة مؤثرة في تماسك الحزب، لذلك تولى شهباز شريف قيادة الرابطة بعد تنحي شقيقه نواز عن قيادتها، وآل حزب الشعب إلى بيلاول الشاب فقط لأنه من عائلة بوتو.

وقد تتعزز حظوظ حركة إنصاف في ظل ما يتداوله الإعلام الباكستاني عن انسحاب شخصيات فاعلة بالرابطة الإسلامية من الحزب والترشح كمستقلين في هذه الانتخابات تحت ضغط وتشجيع من المؤسسة العسكرية رغبة في تغيير وجه السياسة بالبلاد وفتح الباب أمام تجربة جديدة ووجه جديد غير الوجوه المألوفة والفاسدة.

ويُعتقد أن فرص الرابطة تتراجع بعد اشتباك عدد من قادة الحزب مع المؤسسة العسكرية واتهامهم لها بالتآمر ضد قائد الحزب القوي نواز شريف الذي عزلته المحكمة العليا من منصبه قبل عام، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات بدعوى أنه لم يكشف عن كامل ثروته وقت ترشحه إلى الانتخابات السابقة، لذلك بات غير مؤهل للحكم.

التحدي الذي يواجهه عمران خان أنه من عرقية "البشتون"، وعليه أن ينافس في المعقل التقليدي للرابطة بإقليم البنجاب أكبر الأقاليم مساحة وناخبين (60% من السكان)، والموالي في أغلبيته للرابطة وعائلة شريف الإقطاعية، وعليه منافسة حزب الشعب وآل بوتو في معقلها التاريخي إقليم السند الذي تعيش فيه أقلية ضئيلة من البشتون.

شهباز شريف يقود حزب الرابطة الإسلامية بالانتخابات في ظل أزمات يعاني منها الحزب (رويترز)

دور العسكر
وتحضر هنا مسألة الدور السياسي المحوري الذي تلعبه المؤسسة العسكرية وإن بشكل غير مباشر، نظرا لما تتمتع به هذه المؤسسة تاريخيا وحتى اليوم من احترام في وجدان الشارع الباكستاني وسياسييه، فضلا عن مركزية دورها في حفظ أمن البلاد بمواجهة العدو التاريخي، الهند.

ويستفيد الجيش الباكستاني من حالة التهديد الهندي الدائم لباكستان في فرض أجندته السياسية بشكل مباشر على مدى عقود سابقة، وبشكل غير مباشر منذ رحيل الجنرال ضياء الحق.

ومن هنا يأتي الحديث بكثرة في الإعلام المحلي والدولي عن تأثير الجيش في هذه الانتخابات، ويؤكد كتاب رأي باكستانيون أن فوز عمران خان -إن حصل- فإنه سيفتح باب مرحلة جديدة في الطبقة السياسية الحاكمة بباكستان، لكنه لن يحدث انقلابا في السياسة الباكستانية، سواء الداخلية أو الخارجية، نظرا لدور الجيش المؤثر في رسم مسار هذه السياسة.

المنافسة الانتخابية في باكستان لا تقوم أساسا على البرامج الانتخابية بقدر ما تعتمد على الكاريزما الشخصية لقادة الأحزاب والمرشحين، ولتأثير المال السياسي، خصوصا في المناطق الفقيرة، لذلك لا تتغير السياسة الداخلية كثيرا مع اختلاف الأحزاب الحاكمة.

أما في السياسة الخارجية فهي أكثر ثباتا، لأن الملفات الرئيسية في هذه السياسة تكاد تكون محصورة بالعلاقة مع الولايات المتحدة والجارة الشمالية أفغانستان، والصراع السياسي والعسكري مع العدو التاريخي الهند، وهذه الملفات بالنسبة للمؤسسة العسكرية مؤثرة وربما حاسمة في رسمها وتحديد مسارها، فتكاد تكون المنافسة الانتخابية هي في حقيقتها على السلطة التنفيذية وليس على سياسة الدولة.

المصدر : الجزيرة + وكالات