ذكرى 23 يوليو.. لماذا يتعلق السيسي بثوب عبد الناصر؟

يستحضر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ذكرى ثورة 23 يوليو وكأنه جزء منها، يستملح مقارنته بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ويروج الإعلام الموالي له بأنه امتداد لعبد الناصر وتجربته -المختلف بشأنها- لاستقطاب جزء من الشارع المصري وتنفيذ أجندة يراها الكثيرون مناقضة تماما لتلك التي خطها عبد الناصر.
 
ففي خطاب بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الضباط الأحرار عام 1952، أشاد السيسي بدور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قائد الثورة الذي اجتهد قدر طاقته للتعبير عن آمال المصريين في وطن حر مستقل تسوده العدالة الاجتماعية، على حد قوله.
 
كما أكد على دور الرئيس الراحل أنور السادات "الذي بذل حياته ذاتها في سبيل الحفاظ على الوطن وصون كرامته وحماية أراضيه، والرئيس الراحل محمد نجيب الذي لبى بشجاعة نداء الواجب الوطني في لحظة دقيقة وفارقة".
الرئيس عبد الفتاح السيسي بالزي العسكري مع مجموعة من الضباط في سيناء (رويترز)

الأوليغارشية العسكرية
وفي وقت يدين فيه الكثيرون بتغريداتهم ثورة 23 يوليو بمناسبة ذكراها الـ66 ولا يرون فرقا بين عبد الناصر والسيسي باعتبارهما من الأوليغارشية العسكرية، يرون أن السيسي كان فعلا وفيا لتراث الانقلابات التي خطها الضباط الأحرار -بقيادة عبد الناصر- يوم 23 يوليو/تمور 1952، ونفذها يوم 30 يوليو/تموز 2013 ضد نظام حكم ديمقراطي.

وتشير حسابات أخرى على تويتر –في سياق المقارنات- إلى أن السيسي لم يحد عن تراث يوليو في "قمع الحقوق والحريات وتكميم الأفواه ومصادرة الرأي الحر والزج بالمعارضين في السجون"، وفق مقارباتهم. كما يذهب آخرون إلى أن عبد الناصر والسيسي يشتركان أساسا في قمع الإخوان المسلمين، ومناهضة مشروعهم ومواصلة منطق حكم الفرد، وإجهاض النزعة الديمقراطية.

ويرى مغردون أن انقلاب 30 يوليو (السيسي) هو في النهاية امتداد "لانقلاب" 23 يوليو (عبد الناصر والضباط الأحرار) في كل وجوهه السيئة، وأن مصر "لن تتقدم إلا إذا تخلصت من تبعات انقلاب يوليو الأول وما تلاه"، وأن ما حصل منذ 23 يوليو هو انتكاسة حقيقية لمصر بحسبهم.

لكن هذه المقاربة التي تنتقد بشدة 23 يوليو وتجربة جمال عبد الناصر توازيها إشادة بالرجل وتاريخه، إذ تعد "23 يوليو الثورة الأعظم إنجازا وانحيازا للأغلبية في تاريخ مصر، جمال عبد الناصر ناصر الفقراء"، كما ورد في إحدى التغريدات.

ويقول محللون إن السيسي توجه بعد إطاحته بالرئيس المنتخب محمد مرسي وحكم الإخوان المسلمين في يوليو/تموز 2013 لصناعة ظهير شعبي مختلف، ويستثمر في انقسام الشارع باستحضاره عبد الناصر وتمجيد إرثه منذ ترشحه للرئاسة عام 2014 ولاحقا.

متصورا أنه يدغدغ مشاعر البسطاء من الناس، أراد السيسي أن يرسم لنفسه صورة الزعيم القوي صاحب الكاريزما والجاذبية مثل عبد الناصر، لكنه فشل في ذلك بشكل كبير، وانفض من حوله حتى الناصريون أنفسهم ممن أيدوه يوم 30 يوليو/تموز 2013.

video
الصورة معكوسة
باستثناء انحدار الرجلين من بيئة شعبية متواضعة والخلفية العسكرية، يرى محللون أن المقارنة لا تستقيم بينهما على صعيد القدرات الشخصية وطريقة الحكم والمنجزات السياسية والاقتصادية.
 
فقد جاء عبد الناصر وحركة الضباط الأحرار من خلفية سياسية ثورية صنعتها الأوضاع الداخلية والخارجية خصوصا بعد حرب فلسطين 1948 وصراع الإمبراطوريات، بالمقابل تدرج السيسي في الرتب العسكرية حتى وصوله إلى منصب وزير الدفاع دون أي خلفية سياسية أو فكرية.
 
واستمد عبد الناصر خطابته التي أكسبته شعبية واسعة وحضورا وكاريزما من اهتمامه العميق بالفكر والأدب والفن والتاريخ والفلسفة والإستراتيجيا، إذ كان قارئا نهما، في حين لم يعرف عن السيسي أي اهتمام بالثقافة والفكر والأدب، وكانت زلاته الكثيرة في خطاباته مجال تندر ونقطة ضعف رئيسية له، كما يقول معارضوه.
 
وعلى صعيد المقاربة الاقتصادية، قامت رؤية عبد الناصر الاقتصادية على الانحياز للفقراء والتوزيع العادل للثروة عن طريق الإصلاح الزراعي والتأميم، أما رؤية السيسي فتقوم على معادلة ليبرالية تربط مصر بالمساعدات والقروض وشروط المؤسسات المالية الدولية.
 
ومقابل اعتبار الجانب الاقتصادي من أهم منجزات عبد الناصر، فإن السيسي الذي رفع في البداية شعار "نصير الفقراء"، تبنى مبدأ رفع الدعم عن المواد الأساسية، فتضاعفت الأسعار مرات عدة في ظرف وجيز، وتدنى مستوى المعيشة، وارتفعت  معدلات البطالة بشكل هائل، وتوسع السكن العشوائي.
 
وإذا كان حضور عبد الناصر طاغيا على الصعيد الداخلي والخارجي -كما يقول حتى منتقدوه- في لقاءاته مع الزعماء وزياراته وحواراته، فإن السيسي افتقر إلى قوة التأثير الدولي وكان باهتا في معالجة الكثير من الملفات والعلاقات الخارجية.
 
ففي الوقت الذي كانت فيه مصر -بدورها وقوتها المخملية- من الدول المؤثرة والمهابة عالميا وساهمت بقوة في تأسيس منظمة عدم الانحياز، أفقد السيسي مصر هذا الدور حتى في أفريقيا والعالم العربي.
 
ويرى منتقدو السيسي أنه في وقت كانت فيه مصر رأس الحربة في التصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين -رغم هزيمة 1967- ودعم المقاومة والمقاطعة، فإن السيسي وطّد العلاقات مع إسرائيل ويعمل بالتنسيق مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على استكمال ما تسمى "صفقة القرن" التي تشطب الحقوق الفلسطينية.
 
وفي استدعائه لتجربة عبد الناصر ومحاولة التشبث بذكرى 23 يوليو لتبرير أو تمرير سياسات، يخسر السيسي نقاطا كثيرة، إذ إنه لا يستنسخ من تلك التجربة إلا سلبياتها ويكررها في ظروف وسياقات مختلفة أفقدت مصر نفسها الكثير من مصادر قوتها.
المصدر : الجزيرة