السيسي يشتكي من الشائعات.. ثم يروجها

السيسي قال إن نظامه واجه 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر (رويترز)
السيسي قال إن نظامه واجه 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر (رويترز)

في كلمته الأحد بحفل لتخريج طلبة كليات عسكرية، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن نظامه واجه 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر، معتبرا أنها تهدف إلى إثارة البلبلة وعدم الاستقرار وإحباط المصريين.

تأتي تصريحات السيسي متناغمة مع أداء مؤسسات الدولة المصرية في الأشهر الأخيرة، التي بدت حريصة على مواجهة ما تعدها "شائعات"، منها على سبيل المثال إصدار مركز معلومات مجلس الوزراء بيانات عديدة خلال الأشهر الأخيرة لنفي ما يرى أنها شائعات انتشرت في أوساط المصريين.

كما أنشأ المركز مرصدا خاصا لرصد تلك الشائعات والرد عليها، وقالت مديرة المرصد نعايم سعد زغلول في تصريحات تلفزيونية أمس الأحد إن "الشائعات تزداد كلما تزايدت الإنجازات لهز ثقة المواطن".

لكن السمة السائدة في تلك الشائعات التي ينفيها المركز أنها تتناول قضايا جزئية صغيرة تتعلق بأداء وزارات أو مؤسسات صغيرة، كما تورط المركز في نفي أخبار حقيقية، مثل خبر تصادم عدة سفن في قناة السويس، الذي نفاه المركز في بيان له الأحد، رغم تأكيد صحف أجنبية للخبر وتأكيد رئيس هيئة قناة السويس بنفسه الخبر منذ أيام قبل أن يعود لنفيه بعد ذلك.

وقد أثارت كلمة السيسي عدة ردود أفعال، تنوعت بين عدم تصديق الرقم الذي أعلنه، واتهام النظام نفسه بنشر الشائعات طيلة السنوات السابقة، واعتبار أن الإجراءات الاقتصادية والسياسية التي أثرت على ملايين المصريين بالسلب لا تحتاج إلى أي شائعات إضافية لتغذيتها.

أرقام غير منطقية
ردود الفعل الأولى على مواقع التواصل الاجتماعي اتسمت بالسخرية من الرقم (21 ألف شائعة) نظرا لعدم منطقيته، وقال نشطاء ومغردون إن هذا الرقم يعني أن هناك 233 شائعة يوميا بمتوسط تسع شائعات تطلق كل ساعة، فيما قارن آخرون بين هذا الرقم ورقم آخر غير منطقي أعلنه السيسي قبل انتخابات الرئاسة الأخيرة، عندما قال إنه أنجز 11 ألف مشروع، أي بمعدل ثلاثة مشروعات في اليوم الواحد.

الأمر الآخر اللافت في الحديث عن الشائعات هو مسؤولية النظام والحكومة نفسها عن إطلاق عدد كبير من الشائعات لمحاولة طمأنة المواطنين المصريين وإقناعهم بوجود إنجازات على أرض الواقع.

ويعد جهاز علاج الإيدز وفيروس سي، الذي أطلق عليه المصريون تندرا "جهاز الكفتة" أحد أشهر تلك الشائعات التي أطلقها المتحدث العسكري الأسبق أحمد علي وأتبعها بمؤتمرات صحفية ولقاءات إعلامية مع اللواء عبد العاطي الذي قيل إنه مخترع الجهاز الذي اتضح في النهاية أنه لا يعالج أي أمراض.

ولم يتقدم أي مسؤول بالاعتذار عن تلك الشائعات التي أطلقوها لعدة أشهر، بل توالى بعدها الإعلان عن إقامة مشروعات ضخمة مع وعود بأنها ستجلب مليارات الدولارات وستحسن الوضع الاقتصادي، قبل أن يتضح زيف هذه الوعود.

من أمثلة ذلك، المؤتمر الاقتصادي في مارس/آذار 2015 الذي أعلنت وسائل الإعلام المصرية أن حصيلته بلغت 160 مليار جنيه، ومشروع قناة السويس الجديدة "التفريعة" التي قال الفريق مهاب مميش وقتها إنها ستجلب 100 مليار دولار، وغيرها العديد من المشروعات الأخرى.

ولم يتوقف السيسي نفسه عن إطلاق وعود للمصريين بأن الوضع الاقتصادي والمعيشي لهم سيتحسن، وحدد بنفسه مددا زمنية لذلك، أشهرها مطالبته المصريين بالصبر لمدة عامين فور انتخابه رئيسا للمرة الأولى عام 2014، كما طالب المصريين في ديسمبر/كانون الأول 2016 بالصبر لمدة ستة أشهر فقط حتى تتحسن الأحوال، وكان قد أطلق وعدا للمصريين في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بأن الأسعار ستنخفض خلال شهر واحد، ولم يلمس المصريون أي تحسن بعد كل ذلك.

وقد اعتبر عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية في لقاء تلفزيوني في ديسمبر/كانون الأول الماضي أن النظام المصري واحد من أبرز النظم السلطوية التي تقمع الحقوق والحريات ولا تسمح بحضور فضاء عام تعددي به نقاشات حقيقية، بالإضافة إلى الضلوع في تزييف الأخبار بكثافة.

وبعد كلمة السيسي عن الشائعات تحدث نشطاء ومغردون على مواقع التواصل الاجتماعي عن أخبار وموضوعات رأوا أنها لا تحتاج إلى أي شائعات إضافية لكي تؤكد صعوبة الأوضاع التي يعاني منها المصريون، من قبيل التنازل عن تيران وصنافير للسعودية، والتهاون في ملف حصة مصر بمياه النيل.

إضافة إلى رفع أسعار الوقود والكهرباء والمياه والغاز والمترو، واعتقال عشرات الآلاف بلا محاكمة، ورفع الدين الخارجي للبلاد عبر الاستدانة من الدول والمؤسسات الدولية، وانهيار الخدمات الأساسية والتعليم والصحة.

مشروع قناة السويس الجديدة قال عنه المسؤولون المصريون إنه سيجلب 100 مليار دولار (الجزيرة)

خداع الشعب
مسؤولية النظام المصري عن نشر الشائعات والأخبار الزائفة لخداع الجمهور والمواطنين ليست جديدة، بل يعد نشر الشائعات سمة سائدة للأنظمة المصرية المتعاقبة منذ ثورة يوليو 1952.

ففي عصر مواقع التواصل الاجتماعي عاد المصريون إلى قراءة الأخبار التي كانت تنشرها وسائل الإعلام المصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ليكتشفوا العشرات من الشائعات التي نشرتها وسائل الإعلام المصرية، مثل الإعلان عن صناعة مركبة فضاء مصرية، وغواصة جيب، ودواء يعيد الشباب إلى العجائز.

كما عرفت الأنظمة المصرية الأخرى استخدام الشائعات أيضا، وصولا إلى ثورة يناير، فقد اعترف اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية السابق أنه كان يستخدم الشائعات لتهدئة المتظاهرين في ميدان التحرير متى أراد.

وبعد تنحي مبارك زادت وتيرة الشائعات أثناء المرحلة الانتقالية، وكان أبرزها الإعلان بصورة دورية عن وفاة الرئيس المخلوع حسني مبارك لإلهاء المصريين عن قضايا أخرى أكثر إلحاحا.

كما استخدمت وسائل الإعلام التابعة للنظام القديم سلاح الشائعات بكثافة ضد الرئيس المعزول محمد مرسي، ومن ذلك الحديث عن تأجير الآثار، وبيع قناة السويس ومنطقة ماسبيرو، والتنازل عن حلايب وشلاتين، وتوطين الفلسطينيين في سيناء.

والمفارقة أن الشائعات التي روجت ضد مرسي وجدت صيغا للتنفيذ خلال عهد السيسي، من خلال التنازل عن تيران وصنافير للسعودية، وتهجير المصريين من مدينة رفح في سيناء، وبيع منطقة ماسبيرو لمستثمرين إماراتيين.

المصدر : الجزيرة