الإمارات تحذر الصين .. صراع على النفوذ في جيبوتي

الصين أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي وبدأت تطوير العديد من المشاريع على البحر الأحمر (الأوروبية)
الصين أقامت قاعدة عسكرية في جيبوتي وبدأت تطوير العديد من المشاريع على البحر الأحمر (الأوروبية)

حتى الآن لم تستطع أي من القوى العظمى تعطيل تمدد الصين عسكريا وتجاريا في القرن الأفريقي وفي القارة السمراء بشكل عام.

لكن الإمارات العربية المتحدة امتلكت الجرأة لتحذير التنين الصيني وتهديد نفوذه المتسارع في البحر الأحمر وخليج عدن.

في منتصف يوليو/تموز الجاري وقبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الإمارات، ظهر على السطح صراع بين البلدين على النفوذ في جيبوتي.

هذا الصراع سلط الضوء على أهمية دولة جيبوتي الصغيرة وعلى منطقة القرن الأفريقي ككل. وتكتسي هذه المنطقة بعدا إستراتيجيا بالنسبة لبكين، ومصيريا إلى حد كبير بالنسبة للإمارات.

وهددت شركة موانئ دبي -الذراع الاقتصادية والإستراتيجية للإمارات- باتخاذ إجراءات قانونية ضد جيبوتي والصين على خلفية إنشاء الأخيرة منطقة تجارة حرة دولية في محطة حاويات دوراليه على سواحل جيبوتي، حيث تزعم الشركة الإماراتية امتلاكها امتيازات تطويرها بموجب اتفاقيات سابقة.

جاء التحذير بعد أسبوع من إطلاق بكين المرحلة الأولى من أعمال إنشاء المنطقة التي يُخطط لها أن تكون الأكبر من نوعها في أفريقيا، وبعد أسابيع من إلغاء جيبوتي امتيازات الشركة الإماراتية التي تعود إلى عام 2004 وتمتد 50 عاما، بزعم أنها تنطوي على انتهاك صارخ لسيادة الدولة والمصالح الوطنية.

وبدعم من الصين افتتحت جيبوتي مشروعا ضخما يتمثل في منطقة للتجارة الحرة هي الكبرى في أفريقيا، وبدا المشروع بمثابة رد على تحركات الإمارات في البحر الأحمر ومحاولاتها محاصرة موانئ جيبوتي وعزلها.

ووفق خبراء فإن افتتاح المنطقة الحرة في جيبوتي سيحول ميناء جبل علي في مدينة دبي إلى شبه ميناء داخلي، وهو ما يعني الإضرار بشريان رئيسي لتجارة الإمارات الساعية لمد نفوذها التجاري والسياسي في القرن الأفريقي واليمن من بوابة السيطرة على الموانئ.

وأكدت "موانئ دبي العالمية" في بيانها أن "قيام حكومة جيبوتي بالاستيلاء غير المشروع على المحطة لا يمنح الحق لأي طرف ثالث بانتهاك شروط اتفاقية الامتياز".

واعتبرت الشركة الإماراتية أن مشروع بناء المنطقة التجارية يمثل تعديا على "حقوق الإدارة الحصرية" مشددة على أنها تحتفظ بحق اتخاذ كافة الإجراءات القانونية ومن ضمنها المطالبة بالتعويض عن الأضرار المترتبة على قيام أطراف أخرى بالتدخل أو خرق حقوق التعاقد.

في الواقع، فإن الشركة الإماراتية العملاقة التي تدير 78 ميناء في 40 دولة حول العالم لم تكن حتى قبل تدهور الموقف في جيبوتي مطمئنة إزاء تموقعها في القرن الأفريقي وبوابات البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، سعت مؤخرا إلى امتلاك امتيازات في موانئ كل من اليمن وإريتريا، وجمهورية أرض الصومال المنفصلة فعليا عن مقديشو.

نفس توسعي
هذا النفس التوسعي شلّه عدم رضى جيبوتي عن عوائد الاتفاقية بعد 14 عاما من توقيعها. وهناك أيضا اتهامات للإمارات بأنها غير حريصة على تطوير تلك النقاط الاقتصادية بقدر حرصها على الاستئثار بها وحرمانها من منافسة الموانئ المحلية خصوصا لصالح طرف ثالث.

تجدر الإشارة هنا إلى اعتماد اقتصاد الإمارات -لاسيّما إمارة دبي- بشكل كبير على موانئ البلاد، إذ تتوسط الطريق البحري الأهم في التجارة العالمية بين الشرق والغرب.

كما تتميز تلك الموانئ -وأكبرها جبل علي- بطاقة استيعاب واستقرار وخدمات تفوق نظيراتها على امتداد المسافة التي تقطعها السفن منذ أن تغادر موانئ سنغافورة في الجنوب الشرقي حتى وصولها إلى ميناء روتردام الهولندي في الشمال الغربي، أو العكس (بمعدل 30 يوما من الإبحار).

في المقابل، فإن الصين معنية بامتلاك موطئ قدم على امتداد هذا الطريق التجاري الذي يعد الشريان الرئيسي لاقتصادها العملاق، وقد تنامى ذلك الاهتمام منذ إطلاقها إستراتيجية "الحزام والطريق عام 2013".

ممرات وأسواق
تتضمن الرؤية الطموحة للصين تطوير مشاريع في عشرات دول تشكل ممرات أو أسواق لمنتجاتها أو مصادر للمواد الخام، بتكلفة إجمالية تبلغ ترليون دولار، وأعمال قد تستغرق عقودا، لتتحول الإستراتيجية إلى العمود الفقري لسياسة البلاد الخارجية.

بل إن "الحزام والطريق" قد يتحول إلى جزء أساسي في إستراتيجية بكين العسكرية الخارجية.

ولسوء حظ دبي، فقد ظهرت أولى إشارات ذلك التحول المحتمل في جيبوتي بالذات التي استضافت العام الماضي أول قاعدة عسكرية تنشئها الصين خارج أراضيها.

كما ظهرت في الأسابيع الأخيرة فرصة لعب ورقة أخرى تمثلت في تقدم إثيوبيا وإريتريا نحو إنهاء نزاعهما الذي استمر عقودا، والذي ساهم إلى حد كبير في تضخيم أهمية جيبوتي الاقتصادية.

لقد كانت جيبوتي ولا تزال حتى اللحظة تشكل معبرا رئيسيا لصادرات وواردات إثيوبيا الدولة الأفريقية الكبرى المحرومة من سواحل بحرية، نظرا إلى الخلافات الحادة بين أديس أبابا وأسمرة والاضطرابات في الصومال.

جسور التواصل
غير أن إعادة البلدين الجارين جسور التواصل بينهما قد يفرز ظهور إريتريا بديلا للموانئ الجيبوتية برعاية إماراتية، ولكن هذه المرة من خلال عمل حقيقي وكبير لمنافسة الحضور الصيني وتعويض الخسائر المحتملة للموانئ المحلية، واستعادة ثقة دول المنطقة.

ولكن هذا الخيار يواجه العديد من التحديات، أولها تمتع أديس أبابا بعلاقات جيدة مع بكين وجيبوتي، وقطع الأخيرة أشواطا في إنشاء البنى التحتية الاقتصادية التي تفتقر إليها إريتريا.

وكانت جيبوتي أعلنت العام الماضي العمل على إنشاء ثلاثة موانئ جديدة وسكة حديد تربطها بإثيوبيا.

يُذكر أن أبو ظبي تتمتع بالفعل بعلاقات جيدة مع أسمرة وقد سمحت الأخيرة لها باستخدام ميناء "عصب" في إطار حرب اليمن التي تخوضها إلى جانب السعودية ضد جماعة الحوثي منذ سنوات.

باستثناء التصريحات البروتوكولية، لم تتسرب أي معلومات عن لقاءات الرئيس الصيني في الإمارات، إلا أن الأخيرة ستناور بالتأكيد وقد تسعى إلى استخدام جميع الخيارات المتاحة في آن واحد، بالنظر إلى مصيرية الملف بالنسبة لها، وفي كل الأحوال فإن تحدي العملاق الصيني ستكون له أثمان باهظة بالتأكيد.

المصدر : وكالة الأناضول,الجزيرة