أزمة نقص الأدوية في تونس.. من المسؤول؟

خميس شوشان مستاء من عدم تسلمه دواءه أمام مصحة حي الخضراء بالعاصمة تونس (الجزيرة)
خميس شوشان مستاء من عدم تسلمه دواءه أمام مصحة حي الخضراء بالعاصمة تونس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يهم التونسي خميس شوشان بالخروج من مصحة حكومية في حي الخضراء بالعاصمة تونس، مثقلا بأوجاع مرضه المزمن وهموم كابوس نقص الدواء الذي أصبح يهدد المستشفيات الحكومية وحتى الصيدليات الخاصة بسبب أزمة سيولة تعاني منها الصيدلية المركزية التونسية.
 

يعاني خميس -وهو سبعيني متقاعد- من ضعف في الدورة الدموية نتيجة سنوات من الأضرار المنجرة عن التدخين والدهون المتراكمة والضغط المرتفع وإصابته بالسكري، وتزداد صحته تدهورا بسبب تأخر صرف راتبه التقاعدي الهزيل أصلا (170 دولارا) وتكرر أزمة نقص الأدوية بالمستشفيات الحكومية.

يقول خميس للجزيرة نت بصوت مبحوح إن أعوان صيدلية الاختصاص بمصحة حي الخضراء لم يخبروه بعدم توفر دوائه كما لم يستبدلوه له بدواء جنيس، مضيفا أنه سيضطر رغم ضعف حاله إلى شرائه من صيدلية خاصة بسعر باهظ يفوق 12 دولارا للعلبة الواحدة حتى لا يصاب بنوبات دوار أو انسداد في الشرايين. 

خميس ليس المريض الوحيد الذي يعاني من أزمة نقص الأدوية غير المسبوق نتيجة الأزمة المالية التي تعيشها الصيدلية المركزية، فكثير من الحالات الأخرى باتت متوجسة جراء فقدان أصناف من الأدوية الأساسية على غرار العجوز السبعينية فاطمة نفاتي التي نجت قبل أسابيع من جلطة خطيرة.

يتكرر نفس مشهد الخروج المتثاقل والمهموم من المصحة الحكومية مع فاطمة المتكئة على عكازها بينما تمسك بيدها كيسا بلاستيكيا به أدوية لا تضم دواء مرض انسداد الشرايين المفقود، مما سيجعلها هي أيضا تلجأ لشرائه من صيدلية خاصة تجنبا لأي أضرار محتملة.

تقول فاطمة للجزيرة نت إن "المسؤولين في الحكومة يوهمون الناس بأن الأمور تسير بخير وأن الأدوية متوفرة في المستشفيات، لكن بعد عناء التنقل بحثا عن الدواء نتفاجأ كل مرة بوجود نقص في الأدوية"، معربة عن قلقها من خطر استمرار هذه الأزمة غير المسبوقة على صحة المرضى وخاصة البسطاء أمثالها.

‪جانب من تسلم بعض المرضى لأدويتهم داخل مصحة حي الخضراء الحكومية‬ (الجزيرة)

ما الأسباب؟
وحول أسباب أزمة نقص الأدوية تقول مسؤولة بالصيدلية المركزية رفضت الكشف عن اسمه إن أزمة نقص الأدوية الموردة تعود إلى عدم قدرة الصيدلية المركزية (الجهة الوحيدة التي تمتلك حق توريد الأدوية) على التزود بالأدوية بسبب تراكم ديونها لدى مزوديها بقرابة 500 مليون دينار (190 مليون دولار).

وظهرت هذه الأزمة أواخر عام 2015 ثم بدأت تأخذ شكل كرة الثلج، لا سيما مع عجز الصيدلية المركزية بدورها على الحصول على مستحقاتها المالية من زبائنها العموميين مثل المستشفيات الحكومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض الحكومي، التي بلغت قيمتها نحو 800 مليون دينار (305 ملايين دولار).

وتضيف المسؤولة للجزيرة نت أن المسؤولين بالصيدلية المركزية أطلقوا صيحات فزع للفت انتباه الحكومة ووزارة الصحة، لكن رغم انعقاد مجلس وزاري أواخر 2016 أفرز جملة من الإجراءات، فإنها بقيت في دائرة الوعود ولم ترتقِ إلى مرحلة التطبيق، إلى أن تفاقمت الديون وتراجع المخزون الإستراتيجي للأدوية إلى 79 يوما.

وعابت المتحدثة على وزارة الصحة عدم تنسيقها الجيد بين مؤسساتها، وعدم القيام بمراقبة محكمة في التصرف في مخزون الأدوية بالمستشفيات وترشيد الشراءات، وسكوتها على نداءات الاستغاثة التي أطلقتها الصيدلية المركزية خاصة، متهمة إياها بمحاولة إخفاء حقيقة أزمة الأدوية على الرأي العام، حسب تعبيرها.

وترى أنه إذا لم تعجل الحكومة بسداد جزء هام من ديون المؤسسات الحكومية تجاه الصيدلية المركزية فإن الأخيرة ستفقد مصداقيتها تجاه مزوديها في الخارج، وستصبح عاجزة تماما عن توريد الأدوية، مما سيجعل عديد الأصناف من الأدوية الحياتية مفقودة، وهو ما سينجر عنه دخول رؤوس الأموال على الخط.

وأكدت المسؤولة أن التنازل عن مهمة توريد الأدوية لصالح القطاع الخاص سيثقل كاهل المواطن باعتبار أن الصيدلية المركزية تدعم هذه الأدوية الموردة سنويا بقيمة 142 مليون دينار (54 مليون دولار)، قائلة "سيكون المواطن الضحية الأولى لأن الدواء سيصبح أداة تجارية يرفع مورّدها في سعرها كلما انخفضت قيمة الدينار التونسي".

عماد الحمامي أقر بوجود أزمة في مخازن الأدوية الحكومية بعد نفيه ذلك سابقا (الجزيرة)

أي حلول؟
ورغم أن وزير الصحة عماد الحمامي أقر بوجود أزمة بمخازن الأدوية الحكومية بعد نفيه ذلك سابقا، فإنه أكد للجزيرة نت أن الحكومة اتخذت بعض الإجراءات العاجلة لدعم الصيدلية المركزية للالتزام بتعهداتها تجاه مزوديها، ومواصلة الاضطلاع بدورها في توريد الأدوية وتزويد المستشفيات والصيدليات.

وقال إن الحكومة ووزارة الصحة تعملان على توفير الأدوية الحياتية اللازمة عبر توفير سيولة عاجلة للصيدلية المركزية بقيمة 500 مليون دينار (190 مليون دولار)، مضيفا أن الدولة ستلتزم استثنائيا بسداد مستحقات الصيدلية المركزية لدى المؤسسات الحكومية بما يضمن سيولة مالية لها بخمسين مليون دينار شهريا.

كما أكد الحمامي أن الحكومة تعمل على إطلاق برنامج لهيكلة قطاع الأدوية صناعة وتوريدا وتوزيعا واستهلاكا، إضافة إلى التسريع في إصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية التي تعاني من اختلال موازناتها المالية ومن عجز مالي متفاقم بلغ نحو مليار دينار (380 مليون دولار) العام الماضي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اتهمت الشركة العربية للصناعات الصيدلانية (سيف) وزارة الصحة التونسية بما سمته "التلاعب وعقد صفقات مشبوهة مع مخابر أجنبية لتصنيع الأدوية، مما يهدد الأمن الصحي للتونسيين وديمومة الصناعة الدوائية الوطنية".

دخل عدد من جرحى الثورة التونسية الذين يتهمون الحكومة بالتباطؤ والإهمال في علاجهم، في إضراب عن الطعام واعتصام أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) حتى تتحقق مطالبهم المتمثلة في العلاج في مستشفيات خاصة أو خارج البلاد.

المزيد من طبي وصحي
الأكثر قراءة