سكان العشوائيات بالسودان خارج حسابات السلطة

سعدية أمام كوخها الذي بنته منذ 15 عاما قبل أن تسجل اسمها ضمن المستحقين لقطعة أرض لم تتملكها بعد (الجزيرة)
سعدية أمام كوخها الذي بنته منذ 15 عاما قبل أن تسجل اسمها ضمن المستحقين لقطعة أرض لم تتملكها بعد (الجزيرة)

عماد عبد الهادي-الخرطوم

تعيش سعدية أحمد في كوخ من بقايا أكياس الخيش والحصير والعلب البلاستيكية بإحدى العشوائيات القريبة من العاصمة السودانية الخرطوم، تعلو وجهها ابتسامة تخفي خلفها كثيرا من الآلام والخوف من مستقبل لا تدري ما يخبئ لها.

حالة سعدية (60 عاما) تنطبق على حالة آلاف السودانيين الذين يسكنون في أطراف المدن والعاصمة تحديدا بما يشبه الكانتونات الورقية وما يعرف بالسكن العشوائي. وتبدو هذه السيدة السودانية غير قادرة على لملمة أفكارها لتحكي ما تعانيه.

وتعيش سعدية مع خمسة من أبنائها في مسكنها المتواضع الذي بنته بعد جهد جهيد منذ أكثر من 15 عاما، قبل أن يسجل اسمها ضمن المستحقين لقطعة أرض عام 2015 لتبدأ الحلم ببناء مسكن جديد يأويها، دون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى تحقق هذا الأمل على الأرض.

أحد الأحياء العشوائية الواقعة قرب العاصمة السودانية الخرطوم (الجزيرة)

تجريف الأكواخ
واختار آلاف السودانيين السكن في أطراف المدن داخل منازل شبيهة بالأكواخ المصنوعة من الأكياس الفارغة أو ورق الكرتون على نحو صادم في كثير من الأحيان، إذ يشكو مواطنون في حي الفطيماب غرب أم درمان والعلاماب شرق الخرطوم من إزالة منازلهم بجرافات جهاز حماية الأراضي الحكومية دون أن توفر لهم بدائل.

ويقول مواطنون إن منازلهم ظلت تتعرض للهدم والتكسير منذ العام 2005، قبل أن يتركوها أخيرا في أوضاع مأساوية "لتعيش بعض الأسر في العراء دون مأوى".

ويوضح متابعون أن دوافع عديدة أدت إلى انتشار السكن العشوائي في العاصمة وكبريات المدن، ومن بين العوامل الهجرة الداخلية، وهو ما تؤكده سعدية حينما تحكي أن ظروفا قاهرة أجبرتها على الهرب من دارفور إلى الخرطوم لحماية أطفالها الذين هاجر والدهم إلى ليبيا دون أن يُعرف له أثر.

رواية مسؤول
ويشكل انعدام الخدمات في الريف مع غياب التنمية المتوازنة، وعجز وبطء الخطط الإسكانية؛ أهم مسببات انتشار بؤر السكن العشوائي. ويقول مسؤول حكومي سوداني للجزيرة نت إن الحكومة طورت إدارة السكن العشوائي من جهاز معالجة إلى جهاز تنفيذي لمكافحة السكن العشوائي، قبل أن يصبح إدارة خاصة بالتنمية الحضرية.

ويضيف المسؤول الذي رفض كشف اسمه أن كل القوانين والإجراءات فشلت في الحد من تنامي السكن العشوائي، غير أنه يرفض في الوقت نفسه اتهام الحكومة بالتخلي عن دورها في معالجة المشكلة.

ويشير إلى أن العشوائيات تتمدد يوما بعد آخر "وكأن هناك جهات تخطط لترييف المدن بهذا التحول السكاني غير المرتب"، متهما المواطنين بالتعدي على الأراضي الحكومية.

مختار: عندما تتدخل الحكومة بتعسف
في ميكانيزمات المجتمع يحدث خلل كبير
(الجزيرة)

أوضاع السودانيين
في المقابل، يرى أستاذ الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة أم درمان الإسلامية عبده مختار أن الشعب السوداني يتعرض لزلزلة اجتماعية شديدة، يتراكم معها التدهور الاقتصادي والاجتماعي وإسقاطاته النفسية، مشيرا إلى أن قطاعات من السودانيين تدهورت أوضاعها الاجتماعية.

ويقول مختار في معرض تعليقه في مذكرة له "عندما تتدخل الحكومة بصورة متعسفة في ميكانيزمات المجتمع فإن ذلك سيصيب المجتمع بخلل كبير، ويترتب عليه كثير من الانفلات"، مضيفا أن ما يحدث الآن من مظاهر هي رأس جبل الجليد.

وتعاني مناطق السكن العشوائي في السودان مشكلات اجتماعية وصحية وأمنية تفتقر معها إلى الخدمات الضرورية، وهو ما يجعل سعدية تتحدث وهي تغالب دموعها، وتقول "لسنا في أي درجة من اهتمام المسؤولين، فهم يفضلون الأجنبي علينا".

وترتفع معدلات الجريمة وتتدهور البيئة الصحية في المساكن العشوائية وأحياء الأكياس والكرتون، لكن ترفض سعدية اتهام الحكومة بالتعدي على أراضيها، قبل أن تتساءل عن دور الحكومة في توفير الأمن والتنمية في الريف "طالما هي لا تريد أن نزاحمها في المدن والعاصمة".

المصدر : الجزيرة