عون والحريري في محرقة تجنيس الأثرياء

محمد العلي-الجزيرة نت

ينشغل اللبنانيون منذ نحو أسبوع بما يتداوله إعلامهم ومنصات التواصل الاجتماعي بشأن مضمون مسرب لمرسوم جمهوري صدر أواسط الشهر الماضي يقضي بمنح الجنسية لـ369 شخصا من حملة الجنسيات السورية والعراقية والفلسطينية، إضافة إلى عرب آخرين يحملون جوازات سفر أوروبية.

وتضاعف الاهتمام بالمرسوم الذي يحمل رقم 2294 بالنظر لأن المستفيدين منه كانوا بأغلبيتهم الساحقة إما رجال أعمال أو مسؤولين سابقين وأفراد أسرهم، وهو ما ضاعف الشكوك باحتمال وجود "صفقات تجنيس" تفوح منها رائحة فساد.

كرة ثلج
وسرعان ما تحول الموضوع إلى كرة ثلج تتداولها الشخصيات والنواب إضافة إلى منصات التواصل، فقام زعيم الحرب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بنشر صور المستفيدين من المرسوم وبينهم رجال أعمال ومسؤولون سوريون، أبرزهم سامر فوز المعروف بأنه الذراع الاقتصادية لبشار الأسد وشقيقه ماهر، ووزير التعليم السوري السابق هاني مرتضى وعائلته.

وتبين بعد ذلك أيضا أن المرسوم -الذي يتطلب وجود تواقيع وزير الداخلية ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية- صدر قبيل تحول حكومة سعد الحريري إلى حكومة تصريف أعمال إثر الانتخابات النيابية، كما أن الأسماء الواردة فيه لم تخضع لتدقيق جهاز الأمن العام حسبما تقتضي الإجراءات المعمول فيها لمنح الجنسية.

وبالنظر إلى أن اللبنانيين اعتادوا أن يوقع الرئيس مراسيم لمنح الجنسية في آخر يوم من ولايته وسط تشكيك بدوافع هذا التوقيت وأسبابه فقد كان ملفتا أن الرئيس ميشال عون -الذي بنى جزءا من سمعته كسياسي على المطالبة بمكافحة الفساد- لم يحذ حذو أسلافه ووقع المرسوم وهو في السنة الثانية من ولايته.

وفي حين لم تتضح بالكامل ملابسات توقيع عون على المرسوم أكدت صحيفة الأخبار اللبنانية في 30 مايو/أيار الماضي شبهة الفساد، ملمحة إلى مسؤولية ما عنها لوزير الداخلية نهاد المشنوق، ولنادر الحريري رئيس المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة سعد الحريري.

ونقلت عن مصدر حكومي قوله بهذا الصدد "جرت العادة أن يبادر رئيس الجمهورية مع قرب انتهاء ولايته إلى توقيع مرسوم التجنيس، ولكن لم يحصل من قبل أن أقدم وزير على توقيع مرسوم قبل خروجه من وزارته"، مضيفا أن "المفارقة أن المرسوم الجديد كان يطبخ في دوائر معينة، وعلى الأرجح وفق تسعيرة محددة بعد الانتخابات النيابية مباشرة".

الحريري وعون في دائرة الشبهة جراء مرسوم التجنيس (الأوروبية-أرشيف)

بالمقابل، سارع وزير العدل سليم جريصاتي المنتمي إلى التيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس ميشال عون للرد على المشككين بدوافع توخي السرية في تمرير المرسوم شارحا الجوانب القانونية للنص الدستوري الذي يعطي الرئيس صلاحية منح الجنسية "بموجب مرسوم يشترك معه في توقيعه رئيس الحكومة والوزير المختص، أي وزير الداخلية والبلديات".

وفي مسعى لاحتواء القضية أعلن المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري تجميد العمل بالمرسوم، واستدعى عون مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى مكتبه وكلفه بإجراءات التحقيقات اللازمة في هذا الملف، وتعهد الأخير بـ"تصحيح" شوائب المرسوم، وبأنه "سيحصل على الجنسية من هو مؤهل ويستحقها".

غير أن ذلك لم يهدئ الجدل بشأن المرسوم الجديد بالنظر لأنه مس عصبا حقوقيا يتعلق بوجود مطالبين بجنسية لبنان من المحرومين منها، وارتفعت كذلك أصوات المعترضين على أي عملية تجنيس يشتم منها الإخلال بالتوازن الديمغرافي الدقيق في لبنان.

ادعاءات وطنية
ندد النائب وائل أبو فاعور بالخطوة، وقال في بيان صدر عنه أول أمس السبت "عندما تصبح الجنسية اللبنانية معروضة للبيع من المتمولين غير المستحقين ماذا يبقى من ادعاءات الوطنية".

وتساءل عن حق الفقراء المستحقين من أبناء لآباء وأمهات لبنانيين الذين يكابدون أمام القضاء والإدارات لإثبات حقهم بالجنسية، وهو ما كررته النائب بولا يعقوبيان مدافعة عن حق اللبنانيات المتزوجات بأجانب في منح الجنسية لأبنائها.

أما البطريرك الماروني بشارة الراعي فحث على "احترام الرأي العام فيما يختص بمرسوم التجنيس"، مذكرا بما أثاره مرسوم التجنيس عام 1994 من خلل ديمغرافي في البلاد، في إشارة إلى المرسوم الذي وقعه الرئيس الأسبق إلياس الهراوي ومنح بموجبه الجنسية لآلاف السوريين والفلسطينيين ومكتومي القيد عملا بمضامين اتفاق الطائف، وكان أغلبيتهم من المسلمين.

ورفعت الرابطة المارونية طعنا بالمرسوم إلى مجلس شورى الدولة (الجهة القضائية المختصة بمراقبة التشريعات والمراسيم) فقضى بإبطاله إلا أن القرار لم يوضع في التنفيذ.

وبالتوازي مع انتقادات نواب وسياسيين المرسوم الجديد تعهد النائب سامي الجميل بتقديم طعن على المرسوم أمام مجلس شورى الدولة، أما وزير الداخلية السابق أشرف ريفي فاكتفى بالرد في تغريدة قال فيها "أن تعطى الجنسية اللبنانية لمن يستحقها فهو إثبات على أن لبنان دولة تطبق فيها القوانين وتصون حق المواطنة، لكن أن يصدر مرسوم تجنيس تفوح منه روائح الصفقات فهذا تأكيد على أن السلطة لا تتقن إلا سياسية البيع والشراء".

المصدر : الجزيرة,الصحافة اللبنانية