جزيرة الوراق المصرية.. معركة الغلابة والأثرياء

قرار الحكومة وضع اليد على جزيرة الوراق يهدد بتشريد آلاف الأسر الفقيرة (الجزيرة)
قرار الحكومة وضع اليد على جزيرة الوراق يهدد بتشريد آلاف الأسر الفقيرة (الجزيرة)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

"يريدون تحويلها إلى جزيرة خمس نجوم للحيتان ويدوسون على أهلها الغلابة".. بحسرة وألم يتحدث  أبو حنين عن جزيرة الوراق بعد قرار الحكومة المصرية تخصيصها لإنشاء "مجتمع عمراني جديد".

والوراق من أكبر جزر نهر النيل، وتبلغ مساحتها قرابة 1400 فدان (5.7 كلم2)، وعدد سكانها يقارب 200 ألف نسمة، وتتبع محافظة الجيزة، و80% من أهلها يقطنون منازل لا تتعدى مساحتها 70 مترا. 

ومن المقرر أن تتسلم هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة جزيرة الوراق مطلع الشهر المقبل، وذلك لتحديثها وتحويلها إلى منطقة سياحية.

لكن أبو حنين لا يعقد أملا على قرار الحكومة، بل يتوقع في حديث للجزيرة نت أن تضيع حقوقه وحقوق باقي أهالي الجزيرة طالما كانت الحكومة هي الخصم.

ويؤكد في ذات الوقت أنهم لن يستسلموا بسهولة، وسيسعون قدر طاقتهم للحيلولة دون انتزاع أراضيهم وطردهم منها.

يكرر الرجل الخمسيني تأكيده أن أرض الجزيرة "حق لا مرية فيه" لأهاليها، وأنهم يملكون كافة المستندات اللازمة لتأكيد هذا الحق، وأن ما يردده مسؤولون -وفي مقدمتهم رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي- من أن أهالي الجزيرة متواجدون فيها بشكل غير قانوني من خلال "وضع اليد"؛ ادعاء غير صحيح ويتنافى مع الواقع.

حالة الألم وانحسار الأمل لم ينفرد بها أبو حنين، حيث بدت بشكل واضح على قسمات أغلب أهالي الجزيرة، واتهم بعضهم النظام وحكومته بالسرقة وتبديد حقوق الناس.

القلق يسيطر على أهالي الجزيرة في ظل إصرار الحكومة على ترحيلهم منها (الجزيرة)

السياحة والترفيه
وقد نشرت جريدة "الشروق" المصرية مخططا عاما منسوبا للهيئة العامة للتخطيط العمراني بوزارة الإسكان، يفيد بأن الوراق ستصبح منتزها سياحيا وثقافيا وترفيهيا وتجاريا على ضفاف النيل، وسيتم تغيير اسمها إلى "جزيرة حورس".

ولكن هذا "عطاء من لا يملك لمن لا يستحق"، وفق وجدي حسن الذي يؤكد أن أهالي الجزيرة يدركون منذ بدء محاولات انتزاع أراضيهم منذ عام تقريبا أن الهدف تقديمها لرجال أعمال خليجيين دون وجه حق.

ويقول الشاب حسن إنه وأبناء جيله ليس لهم موطن سوى هذه الجزيرة، ولن يقبلوا أن تنتزع منهم بسهولة، ويؤكد أن الدم الذي سال في سبيل ذلك لن يضيع هدرا، في إشارة إلى سقوط حالة وفاة ومصابين خلال مواجهات سابقة.

ويصف الوعود التي قدمها مسؤولون لأهالي الجزيرة بعدم إلحاق الضرر بأي منهم بأنها وعود "كاذبة"، ويرى أن الهدف منها فقط هو "التسكين" وإيجاد فرصة لقلب الرأي العام الداعم لحق الأهالي من خلال بث أكاذيب عنهم واعتبارهم دخلاء عليها، ليسهل طردهم حين تحين لحظة تنفيذ القرار.

وفي مقابل حماسة واندفاع حسن، يرى سلامة أبو جبل أنه ربما يكون أفضل المتاح الحصول على تعويضات في مقابل استحواذ الحكومة على الجزيرة، حيث "لا خيار" معها على حد تعبيره، لكنه يتوقع أن تكون هذه التعويضات زهيدة إلى حد لا يسمح بإيجاد بديل مناسب للمعيشة.

ويشير إلى أن ما يتسرب بين الفينة والأخرى من أن هذه التعويضات لن تتجاوز لأي منزل في الحد الأقصى  300 ألف جنيه (16.8 ألف دولار)، مما يعزز حالة الرفض والقلق المستشرية بين الأهالي، لأن هذا المبلغ لا يكفي لتوفير سكن مناسب في ظل ارتفاع أسعار العقارات والبيوت.

وكان السيسي قدم وعودا بتعويض السكان إثر فشل حملة الانتزاع قبل عام، لكن مسؤولين يتحدثون أن تلك التعويضات لن تقدم إلى السكان إلا بعد استلام الجزيرة والتخطيط للمجتمع العمراني الجديد.

جزيرة الوراق تتبع محافظة الجيزة ومساحتها 1400 فدان ويقطنها 200 ألف نسمة (الجزيرة)

مدينة جديدة
وحسب مراقبين، فإن هذا القرار يعني أن تتحول الجزيرة إلى مدينة جديدة مثل "6 أكتوبر" و"السادات"، وستنزع ملكية السكان بشكل غير مباشر، ويوضعون أمام الأمر الواقع، بينما تتحدث تقارير إعلامية عن تطوع أكثر من 50 محاميا للطعن في قرار الحكومة أمام مجلس الدولة.

ويرى رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري أن قرار تحويل جزيرة الوراق إلى منطقة استثماريه بداية لسلسلة قرارات سيتم بموجبها الاستيلاء على الجزر المأهولة في نيل القاهرة كمرحلة أولى، وباقي جزر النيل بعدها، لافتا إلى أنه لا يمكن إخراج ذلك من السياق العام الذي يدار به الاقتصاد المصري حاليا.

ويربط خضري هذا التوجه بتحكم صندوق النقد الدولي بكل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مصر، مضيفا أنه في ظل المميزات الجمالية والجغرافية للجزر الواقعة بنيل القاهرة، كان لا بد أن تمتد إليها أيدي سماسرة صندوق النقد، حيث تعد موقعا مناسبا جدا للشركات العابرة للقارات.

ويتوقع خضري أن يتكرر ما حدث في مثلث ماسبيرو مع جزيرة الوراق، حيث ستُطلق أيادي رجال الأعمال التابعين للنظام لشراء كل ما يمكن شراؤه من أراض وعقارات داخل الجزيرة؛ لتفريغ الوجود الشعبي داخلها ثم الضغط على من تبقى بقوة المال أو السلطة أو السلاح.

ويعتبر أن ما يتم يأتي في إطار سعي حثيث من قبل نظام السيسي لتدمير ما تبقى في مصر، من خلال بيع المؤسسات الخدمية والإنتاجية والأراضي والجزر للشركات المتعددة الجنسيات، لافتا إلى أن تلك المساعي لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستمتد إلى كل ما تبقى حتى الاقتصاد العسكري.

المصدر : الجزيرة