إقالة براهم.. حماية للديمقراطية أم طمع بالرئاسة؟

الشاهد أقال قبل أيام وزير داخليته لطفي براهم بعد غرق قارب لمهاجرين (الجزيرة)
الشاهد أقال قبل أيام وزير داخليته لطفي براهم بعد غرق قارب لمهاجرين (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

بدأ الصراع السياسي داخل بوتقة الحكم بتونس يأخذ منحى متصاعدا بعد قرار رئيس الحكومة يوسف الشاهد إقالة وزير الداخلية لطفي براهم، أحد أبرز الشخصيات المدعومة داخليا من الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وخارجيا من السعودية، وفق تقدير بعض المراقبين.

وبينما ذهب اعتقاد البعض إلى أن قرار إقالة وزير الداخلية المفاجئ الأربعاء الماضي هدفه حماية المسار الانتقالي من انقلاب محتمل، ذهب ظن آخرين إلى أن رئيس الحكومة يسعى لتسويق نفسه كمرشح بارز للرئاسة العام القادم، بدعم من حركة النهضة.

وفتحت الإقالة المفاجئة وتعيين وزير العدل غازي الجريبي وزيرا بالنيابة للداخلية، باب التأويلات على مصراعيه في وقت يواجه فيه رئيس الحكومة وقتا عصيبا بسبب انخراط حزبه حركة نداء تونس مع اتحاد الشغل -أكبر نقابة عمالية- في حملة تطالب بإقالته لتردي الوضع.

وزير الداخلية المقال لطفي براهم (صفحة وزارة الداخلية)

استغباء الشعب
من جانبه، ربط النائب عن الجبهة الشعبية اليسارية منجي الرحوي بين تمسك حركة النهضة حليفة نداء تونس في الحكم؛ وبين القرار بالعلاقة بين حركة النهضة ورئيس الوزراء، مشيرا إلى أن قرار الأخير جاء كرد جميل للحركة المتحفظة على وجود براهم على رأس الداخلية.

الرحوي -الذي ظهر على تلفزيون نسمة أكثر القنوات مهاجمة للشاهد- قال إن تنحية لطفي براهم لا تبررها فاجعة غرق مركب المهاجرين بجزيرة قرقنة، معتبرا أن التسويق الحكومي لإقالة وزير الداخلية بأنها مرتبطة أساسا بضعف أدائه هو ضحك على الذقون.

وفي تصريحات للجزيرة نت قال الرحوي إن حادثة غرق عشرات المهاجرين قبالة سواحل قرقنة لم تكن الأولى، وإن الحوادث السابقة لم تعصف بمستقبل أي وزير داخلية من قبل، معتبرا أن "السبب الخفي وراء إقالته هو ارتماء الشاهد في أحضان حركة النهضة لإبقائه في الحكم وتعبيد طريقه لمنصب الرئاسة".

ونهاية الشهر الماضي، قرر الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي مؤسس حركة نداء تونس تعليق مفاوضات وثيقة قرطاج 2 بعد تعثرها بسبب رفض حركة النهضة إقالة الشاهد؛ دفاعا عن استقرار البلاد، مقابل دعوة حزب الرئيس واتحاد الشغل وبعض المنظمات الأخرى لإقالته.

وبما أنها تمثل الكتلة البرلمانية الأولى، تعتبر حركة النهضة برفضها تعديلا جذريا للحكومة قبل انتخابات 2019 بمثابة المنقذ لمستقبل يوسف الشاهد السياسي من الطعنة الموجهة إليه من حزبه نداء تونس المتربع على قيادته نجل الرئيس التونسي حافظ قايد السبسي.

الرحوي: التسويق الحكومي لإقالة وزير الداخلية بأنها مرتبطة أساسا بضعف أدائه هو ضحك على الذقون (الجزيرة نت)

صورة البطل
وأمام استحالة سحب الثقة من يوسف الشاهد بالأغلبية المطلقة داخل البرلمان دون موافقة حركة النهضة، عكس الشاهد هجومه على رئيس حزب نداء تونس، وحمّله مسؤولية تفكك الحزب في خطاب بُث قبل أيام على القناة التلفزيونية الأولى (حكومية).

وهذا الصراع المستمر داخل نداء تونس جعل النائب عن التيار الديمقراطي غازي الشواشي مقتنعا بأن تنحية وزير الداخلية لطفي براهم دون تقديم إجابات عن الدوافع الخفية يندرج في إطار التجاذبات والصراعات داخل بوتقة الحكم، ولا علاقة لها بتأمين الانتقال الديمقراطي.

الشواشي يقول للجزيرة نت إن يوسف الشاهد سعى للعب دور البطل ليحافظ على مكانه على رأس الحكومة خدمة لطموحاته السياسية، معتبرا أنه اختار المرور بقوة لقلب الطاولة على خصومه وفرض تعديل على حكومته وتوجيه رسالة للقصر الرئاسي بأنه هو صاحب القرار.

وأرجع الشواشي الأزمة السياسية لما طرحه الرئيس التونسي من "مسارات موازية" للبرلمان في إشارة إلى وثيقتي قرطاج 1و2، وإقحام مسائل عائلية في تسيير شؤون الدولة، داعيا إلى حل الأزمة السياسية عبر إعادة النظر في منح الثقة من عدمها لحكومة الشاهد داخل البرلمان.

ومع أنه يقر بوجود طموحات سياسية ليوسف الشاهد، واستغلاله دعم حركة النهضة له في هذا الظرف الذي ليس له فيه أي داعم، يقول المحلل السياسي جوهر مبارك للجزيرة نت إنه من السابق لأوانه الحديث عن تحالف إستراتيجي بين الشاهد وحركة النهضة لترشيحه للرئاسة.

ولا يستبعد مبارك إمكانية أن يتبلور تحالف بين الشاهد وحركة النهضة ذات الثقل السياسي الوازن بالبلاد عقب حصول تعطل نهائي لمسار مفاوضات وثيقة قرطاج 2، وفك التحالف بين حركة نداء تونس وحركة النهضة اللتين تحالفتا لقيادة البلاد منذ انتخابات 2014.

لكن بقطع النظر عن هذا، يرى مبارك أن إقالة الشاهد لوزير الداخلية لطفي براهم كانت خطوة صحيحة باتجاه تحصين مسار الانتقال الديمقراطي من أي محاولة للانقضاض على السلطة من الوزير المقال المدعوم داخليا من الرئيس التونسي وخارجيا من السعودية، وفق رأيه.

ويؤكد مبارك أن كل المؤشرات كانت تدل بعد زيارة لطفي براهم للسعودية في مارس/آذار الماضي دون علم رئيس الحكومة أن براهم كان الشخصية المرشحة لخلافة يوسف الشاهد، مؤكدا أيضا أن قرار إقالته لم تكن محل موافقة من قبل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي.

ويرى مبارك أن الانتقادات الموجهة من قبل رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى نجل الرئيس التونسي حافظ قايد السبسي واتهامه بتخريب حزب نداء تونس، وتصدير أزمته الداخلية إلى مؤسسات الدولة؛ كانت رسالة مبطنة وهجوما خفيا على الرئيس التونسي في حد ذاته.

المصدر : الجزيرة