اليمن.. أول اعتراف رسمي بمشكلة اسمها الإمارات

مظاهرة نسائية أمس بجزيرة سقطرى أمس السبت طالبت رئيس الحكومة بعدم المغادرة إلا بعد مغادرة القوات الإماراتية (ناشطون)
مظاهرة نسائية أمس بجزيرة سقطرى أمس السبت طالبت رئيس الحكومة بعدم المغادرة إلا بعد مغادرة القوات الإماراتية (ناشطون)
محمد النجار

"الخلاف حول السيادة الوطنية ومن يحق له ممارستها" ربما تختصر هذه العبارة التي وردت في بيان رئيس الوزراء اليمني أحمد عبيد بن دغر قصة الخلاف الذي صرح به للمرة الأولى بين حكومته ودولة الإمارات، وهو خلاف ظل دون اعتراف رسمي به منذ تشكل التحالف بقيادة السعودية عام 2015.
البيان الذي تجاهلته وسائل الإعلام السعودية والاماراتية، مثل برأي مراقبين أول إعلان رسمي من الشرعية اليمنية بالأزمة مع الإمارات، وقبل صدوره كانت وكالة أسوشيتد برس تنقل عن مصدر يمني أن الحكومة تدرس الطلب من الأمم المتحدة طرد الإمارات من التحالف العربي الذي تشكل لإعادة الشرعية المعترف بها دوليا لليمن.

وجاء البيان ليمثل أحدث حلقة في الخلاف المتصاعد في جزيرة سقطرى اليمنية، ويمثل برأي مراقبين صورة واضحة للأزمة التي ظلت طي الكتمان بين الشرعية والتحالف عموما، والإمارات بشكل خاص، بعد أن سيطرت قوات إماراتية على الميناء والمطار أثناء وجود رئيس الوزراء، في مشهد بات المؤيدون للشرعية يصفونه بـ "الاحتلال".

ويصف بيان بن دغر الخلاف الحالي بالقول "الحالة في الجزيرة اليوم بعد السيطرة على المطار والميناء في الواقع انعكاس لحالة الخلاف بين الشرعية والأشقاء في الإمارات، وجوهرها الخلاف حول السيادة الوطنية ومن يحق له ممارستها، وغياب مستوى متين من التنسيق المشترك الذي بدا مفقودا في الفترة الأخيرة".

خلاف لا يمكن إخفاؤه
ولعل أهم ما ورد في البيان إقراره بأن الخلاف بين الشرعية والإمارات "أمر لم يعد بالإمكان إخفاؤه" وجاء فيه "استمرار الخلاف وامتداده على كل المحافظات المحررة وصولا إلى سقطرى أمر ضرره واضح لكل ذي بصيرة، وهو أمر لم يعد بالإمكان إخفاؤه، وإن آثاره قد امتدت لكل المؤسسات العسكرية والمدنية وانتقل أثره سلبيا على الشارع اليمني".

بيان الحكومة اليمنية: استمرار الخلاف وامتداده على كل المحافظات المحررة وصولا إلى سقطرى أمر ضرره واضح لكل ذي بصيرة، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه، وإن أثاره قد امتدت لكل المؤسسات العسكرية والمدنية وانتقل أثره سلبيا على الشارع اليمني
وبالرغم من وصف مراقبين لغة البيان بـ "الدبلوماسية" فإنهم أكدوا أنه مثل أول اعتراف رسمي يمني بالخلاف المتفاقم ليس مع الإمارات فقط، بل مع التحالف الذي طالبه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بالتدخل لاستعادة الشرعية في اليمن عام 2015.

وجاء صدور البيان بعد ساعات من مغادرة لجنة عسكرية أرسلتها السعودية لجزيرة سقطرى لمحاولة احتواء الخلاف المتصاعد بين الحكومة الشرعية والإمارات دون أن تحقق مباحثاتها أي نتائج.

وكشفت مصادر يمنية مطلعة للجزيرة نت بعضا مما دار في الكواليس قبل صدور بيان بن دغر، حيث سرت أنباء عن بيان حكومي سيصدر بعد فشل مهمة اللجنة السعودية.

ويقرأ مصدر يمني مطلع صدور البيان عن بن دغر وليس الرئيس هادي، بأنه تم بتوافق بين الطرفين أشبه بـ "تبادل الأدوار" حيث صدر باسم رئيس الحكومة الذي يدير الأزمة على الأرض، وتجنب إحراج هادي الذي يقيم في السعودية التي حرص البيان على امتداحها.

انعطافة مصيرية
المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي اعتبر أن البيان يمثل "انعطافة مصيرية حاسمة في مسار العلاقات اليمنية مع التحالف العربي الذي تمثله كل من الرياض وأبو ظبي".

ياسين التميمي:
أبو ظبي وحاكمها الفعلي بن زايد وضعا اليد على سقطرى باعتبارها الجائزة المستحقة في خاتمة تدخل عسكري أول شيء استهدفه هو السيادة اليمنية والسلطة الشرعية ووحدة التراب الوطني
وقال للجزيرة نت إن المواجهة المتوترة بين الحكومة اليمنية والتحالف في سقطرى "أسقطت تقريبا مخطط التحالف وتكتيكاته بشأن عزل وتحييد وإنهاء دور السلطة الشرعية".

وتابع "أعتقد أن السلطة الشرعية بهذا التصعيد القانوني والدستوري في وجه هذه الانتهاكات للسيادة اليمنية، قد حصنت نفسها من مخطط الإفناء الذي اعتمدته الرياض وأبو ظبي من أجل تمرير مخطط تفكيك الدولة اليمنية وتمزيق التراب الوطني".

وبرأي التميمي فإن "ضبابية المواقف الحكومية حيال تجاوزات التحالف كانت سببا في تنامي التحدي الإماراتي والسعودي للسيادة اليمنية وللكرامة الوطنية والذي انفجر في وجه الجميع كما رأيناه في سقطرى".

واعتبر أن كتابة بيان الحكومة بلغة دبلوماسية لم يخف جوهر الخلاف الحقيقي حول السيادة الوطنية ومن يحق له ممارستها.

سقطرى.. جائزة الإمارات
وزاد التميمي "أبو ظبي وحاكمها الفعلي محمد بن زايد وضعا اليد على سقطرى باعتبارها الجائزة المستحقة في خاتمة تدخل عسكري أول شيء استهدفه هو السيادة اليمنية والسلطة الشرعية ووحدة التراب الوطني لليمن".

خاضت مذيعة بقناة بي بي سي-عربية أمس السبت جدلا استغربت فيه حديث مديرة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي التي اعتبرت أن زيارة بن دغر لسقطرى هي المشكلة وليس وصول القوات العسكرية الإماراتية لها
"
ويرفض المحلل السياسي تسويق الإمارات نفسها كمنقذ لسقطرى، وقال "الإمارات لم تستثمر في الجزيرة سوى تسويق وهم الارتباط بالجنة الإماراتية، الذي رفضه معظم سكان سقطرى، لتعتمد الإمارات على السياسة الخشنة، عبر الاستيلاء على المرافق وفرض الموظفين ورفع تكلفة فواتير الخدمات، وأخيرا السيطرة على مطار سقطرى والميناء بقوة السلاح".

وتعيش سقطرى على وقع توتر وسط تعزيز الإمارات لقواتها التي وصل بعضها أثناء اجتماع اللجنة السعودية بحكومة بن دغر، وانتقل للشارع الذي حركت أبو ظبي بعضا منه للتظاهر تأييدا لوجود قواتها في الجزيرة، بعد أن خرجت مسيرة نسائية أمس السبت ترفض الوجود الإماراتي وتطالب الحكومة بعدم المغادرة حتى مغادرة القوات الإماراتية.

الموقف حسم
ووسط هذا المشهد، توالت مواقف محللين إماراتيين يوصفون بأنهم مقربون من ولي عهد أبو ظبي لمهاجمة الحكومة الشرعية، واعتبار أن "الموقف في سقطرى قد حسم" والعبارة الأخيرة غرد بها الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله.

بينما خاضت مذيعة في قناة بي بي سي-عربية أمس السبت جدلا استغربت فيه حديث مديرة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي التي اعتبرت أن زيارة بن دغر لسقطرى هي المشكلة وليس وصول القوات العسكرية الإماراتية لها.

ومع تصريح الشرعية بخلافها مع الإمارات، يرى مراقبون أن إعلانها حمل رسائل معلنة، وأخرى بين السطور، فالمعلن تمثل بمطالبتها إعادة ترتيب العلاقة مع الإمارات، وما بين السطور هو أزمتها مع قيادة التحالف المتمثلة في السعودية المطالبة بلجم المشروع الإماراتي، أو الصدام مع الشرعية وهو ما يعني إعادة خلط الأوراق المبعثرة أصلا في اليمن.
المصدر : وكالات,الجزيرة