أصابع الطائفية على زناد الأسد

تلبية لنداء الحسين، مليشيات شيعية تتوعد بحرق دمشق (مواقع التواصل)
تلبية لنداء الحسين، مليشيات شيعية تتوعد بحرق دمشق (مواقع التواصل)

أمين محمد حبلا

بأقصى عبارات التهديد، نطق الناشط الشيعي السوري زين العابدين مراد، مؤكدا أنهم سيحرقون دمشق. وفي الحقيقة، لم يبق غير دمشق لتأكله نار الحرب في سوريا.

وجاءت تصريحات مراد في فيديو تداوله نشطاء التواصل الاجتماعي على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين لمليشيات شيعية تتوعد بحرق دمشق.

وليس زين العابدين مراد الذي شارك بحملات التشييع في دير الزور منذ عام 2000 بتسهيل من الأفرع الأمنية السورية وبرعاية إيرانية، وحظي بتكريم المركز الإعلامي الثقافي العراقي بدرع الإبداع والتميز؛ إلا جزءا من ألسنة الطائفية في سوريا.

لا شيء جديد ستطاله نيران الحرق لأول مرة في سوريا، فسياسة الأرض المحروقة كانت أبرز ما يميز حرب النظام السوري ضد مواطنيه منذ أكثر من سبع سنوات، كما أن الفيديو ذاته -وإن جاء مستفزا وصادما- يمثل في نظر الكثيرين تطورا طبيعيا للحشد الطائفي والمذهبي الذي يتصاعد منذ سنوات في أرجاء سوريا.

ألسنة الطائفية
ورغم الصدمة التي أحدثها الفيديو في أوساط النشطاء باعتباره يمثل نسخة جديدة أو متجددة من خطاب تنظيم الدولة الإسلامية ذات لبوس "شيعي" طائفي، فإن الصدمة الأكبر بالنسبة للكثيرين تتعلق بغياب أي ردة فعل على مستوى الخطاب الموثق صوتا وصورة من النظام السوري وحلفائه، خصوصا أن الفيديو سجل في قلب العاصمة ووسط جمع عام بحسب ما يظهر في المقطع المتداول.

وقبل تهديدات الناشط مراد، كان وعيد العميد السوري الراحل عصام زهر الدين الذي توعد في سبتمبر/أيلول 2017 اللاجئين السوريين الذين هاجروا إلى الخارج في حال عودتهم إلى البلاد.

ووجه زهر الدين رسالته إلى الهاربين من جحيم سوريا قائلا "أرجوك لا تعد، وإذا الدولة سامحتك، نحن عهدا لن ننسى ولن نسامح". وتابع باللهجة المحلية "نصيحة من هالدقن ما حدا يرجع منكم"، ثم تعلو الضحكات الساخرة من الضباط والجنود المحيطين به قائلين "منيحة"، في إشارة إلى أن هذا التوعد هو رسالة جيدة.

وقبل فترة وجيزة كان محام لبناني مسيحي موال للنظام السوري يهدد عبر برنامج "الاتجاه المعاكس" بطرد المسلمين من سوريا التي يجب أن تعود لأهلها الأصليين (المسيحيين)، حسب قوله. وبالتوازي مع هذا وذاك، علقت مليشيات شيعية شعارات طائفية قرب المسجد الأموي في دمشق.

ومع الانتصارات العسكرية التي حققها النظام في الآونة الأخيرة، تزايدت مظاهر الحشد الطائفي بين أنصاره، وتناقل النشطاء أكثر من مرة فيديوهات وصورا من بينها حفل راقص على أشلاء قتلى الغوطة الشرقية قبل نحو شهر.

ورغم أن الثورة السورية بدأت بمطالب سياسية وشعبية ليس لها أي علاقة بالطائفية، فقد رد النظام على هذه الثورة بأسلوب عسكري دموي، وهو بذلك أيضا كان يريد الحفاظ على مصالحه السياسية، بينما وقفت إيران -الساعية لترسيخ نفسها كدولة إقليمية في المنطقة- مع النظام لأنه حليفها الرئيسي والإستراتيجي، وتبعها في ذلك حزب الله المرتبط عضويا ومصيريا بكل من إيران وسوريا.

ونتيجة لذلك أخذت الحرب لبوسا طائفيا لم تظهره الشعارات والألقاب التي حملتها التنظيمات والمجموعات والمليشيات المسلحة، بل ظهر أكثر في خارطة المدن المحروقة والمهجرة في سوريا، ولائحة الضحايا.

وخلال السنوات الماضية حوّل اللهب الطائفي المتصاعد الصراع الموجود إلى حرب مفتوحة، سالت خلالها أنهار الدم من مختلف أبناء ومناطق سوريا.. مئات الآلاف كتبوا أسماءهم في سجل الموت برصاص وبراميل مشتعلة لهبا وعنصرية وطائفية.

إسناد "شيعي" عالمي
لم يخفَ على أحد الوجه الطائفي للنظام السوري منذ اشتعال الأزمة، حيث وجد في السلاح والحضن الإيرانييْن مأوى دافئا أنقذه من السقوط في بداية الثورة السورية، وأكثر من ذلك مكّنه من التقدم على جثث الضحايا وركام المدن نحو بسط سيطرته على مناطق عديدة في سوريا الملتهبة.

وضمن خارطة الإسناد الطائفي التي يعتمد عليها النظام السوري، تدفقت جيوش من المحاربين الشيعة من إيران التي أمدت النظام بعدة ألوية عسكرية، وتولت في أحيان كثيرة إدارة المعارك والقتال بالنيابة عن نظام بشار، إضافة إلى حزب الله اللبناني الذي كان من أبرز الأصابع الشيعية على زناد الأزمة في سوريا.

ومن البحرين وباكستان وأفغانستان جاءت عصائب وألوية أخرى تسند النظام البشاري، وتحمل المليشيات الطائفية تسميات تاريخية ذات بعد رمزي مثل اللواء الجعفري ومليشيات الفاطميين، وكتائب الزينبيين، ولواء أبي الفضل العباس، وكتائب النجباء، وعصائب أهل الحق.

وتقتات هذه التسميات من تراث الصراع الشيعي السني في التاريخ الإسلامي، كاتبة بذلك صفحة يقول نشطاء ومعارضون إنها من أبشع صفحات الطائفية في العصر الحديث بسوريا.

وفي نفس اللوحة الطائفية تدفقت عناصر أخرى من دول عربية وأفريقية وحتى آسيوية لإسناد تنظيم الدولة في سوريا، لتطحن بذلك نار الطائفية ما بقي من أشلاء البلاد.

مغارس الأحقاد
استطاع النظام السوري خلال الفترة الأخيرة تحقيق انتصارات متعددة على خصومه في الأراضي السورية، لكن تلك الانتصارات جاءت ملغومة برياح الأحقاد والصراع الشعبي الذي يستبعد أن يستل أظافره من الجسم السوري في وقت قريب.

واستطاع النظام تحقيق هذه الانتصارات عبر إستراتيجية عمل المليشيات الطائفية، لتغيب بذلك روح الحروب والعقائد العسكرية التي تمنع القتل خارج القانون أو ممارسة التصفية العرقية، أو تهجير المواطنين من أراضيهم التي كتبت على قلوبهم قصة الوطن الجريح.

وكانت الحرب في سوريا قد دخلت في أغسطس/آب 2016 منعطفا جديدا مع تنفيذ أولى اتفاقيات المصالحة بمحيط دمشق والتي اقتضت تهجير أهالي مدينة داريا بريفها الغربي إلى محافظة إدلب شمال البلاد، وتكرر سيناريو التهجير حتى وصل آخر محطاته في الغوطة الشرقية قبل أيام.

في سوريا اليوم، تلتهم نيران الطائفية خضرة الوحدة الوطنية، وذلك في ظلال سوريا المتجانسة التي بشر بها بشار الأسد في إحدى خطبه على منابر الموت في الشام.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية