الحبشي.. أول ضحايا الغارات باليمن يحكي قصته

ياسر الحبشي يحكي قصته والدموع في عينيه (الجزيرة)
ياسر الحبشي يحكي قصته والدموع في عينيه (الجزيرة)

حفصة عوبل-صنعاء

من بين ثنايا الحروف ابتسم لنا شخص من بعيد، ووجهه يملأه الأمل. استقبلنا وعيناه تحكيان بلغة إنسانية محزنة يجهلها من لم يعش ألم الفراق، فلم تتثن كلماته ليقنعنا بجمال ماضيه، والشفق يبدو أنيقا كلما اشتد نحيب السماء، ليعطي للحزن هيبته.

ويدخل العام الرابع على الرجل الأربعيني ياسر الحبشي واليمن يعيش حالة حرب عبثية وغير منقطعة، يُقتل فيها البريء قبل المذنب، ويفقد أهل هذه الأرض مقدرات أمضوا فيها سنوات لكي تعمر، ثم جاءت الحرب في أيام عدة لتلتهم أرضها لحوم سكانها، وتفتح باب غرفة مظلمة لن يعرف أحد أبدا ما الذي سيحصل عند فتح هذا الباب.

ويعيش ياسر في بيت يبعد عن الطريق العام مئات الأمتار خوفا من القصف الذي تمطره طائرات التحالف العربي، ويعتبر ياسر أول شخص يُقصف منزله بصاروخ عشوائي في أول ليلة للحرب المعلنة على اليمن.

وحتى اليوم ما زال ياسر يعيش في حالة خوف وألم، وبدموع لا تتوقف منذ أكثر من ثلاثة أعوام يخبرنا عن الحادثة التي أودت بحياة أبنائه جميعا إلا أصغرهم، وكيف أصبح بلا سند ولا مأوى في غضون ساعات.

ففي 28 مارس/آذار 2015 أعلن التحالف الذي تقوده السعودية الحرب على اليمن، وتلقى حي بني حوات قرب مطار صنعاء الدولي النصيب الأول من الصواريخ، فكان أول ضحاياها هو ياسر الحبشي، ذاك الوجه الذي تغسله الدموع كل ليلة، ويحتوي بداخله الحرب كلها.

عاد ياسر إلى منزله في ليلة مشؤومة، بثت في قلبه الحزن حتى اليوم، كان متعباً جداً تلك الليلة، فقد عمل في دكانه الصغير بجوار منزله حتى منتصف الليل، ودخل في سبات عميق.

استيقظ ياسر بعد خمسة أيام ووجد نفسه في مستشفى الثورة العام وحيدا بلا أبناء ولا زوجة، ويشعر بآلام في رأسه وعموده الفقري. وفي البداية أخبره أقاربه أن أولاده في مستشفى آخر وسيخرجون قريبا.

وعندما عاد إليه وعيه بدأ يتساءل عما حدث، ثم وجد جوابا لسؤاله: فهي الحرب، "لقد تم قصف منزلك بصواريخ لا ندري من أين أتت"، هكذا أجابه أخوه.

إحدى غارات التحالف على صنعاء (مواقع التواصل الاجتماعي)

أبناء بالثلاجات
وفي مكان يبعد بضع كيلومترات عن المستشفى، وُضع ابنه الأكبر علاء في ثلاجة موتى المستشفى السعودي الألماني، وفي مستشفى الكويت وضع ابنه عمار وابنته عائشة في ثلاجة الموتى، وفي مكان ليس ببعيد كانت الزوجة وطفلها الصغير مضرجين بالدماء ويعانيان من الجراح.

وبعد بضعة أسابيع علم ياسر أن أبناءه جميعا توفوا إلا أصغرهم، وأن منزله سوي بالأرض، ودكانه الصغير لم تبق منه سوى أبوابه، كما دمرت سيارته وأصبح بلا مأوى ولا أبناء ولا عافية تسمح له بالعمل مرة أخرى.

انتهت أحلام ياسر في ليلة واحدة، وأصبح كما كان في بداية عمره لا يملك شيئا، علاوة على الألم النفسي وخوفه الكبير كلما سمع صوت طائرات التحالف تحلق في سماء صنعاء.

وما زال ياسر يعيش حالة اقتصادية صعبة، فهو يسكن في منزل بالإيجار، بلا غذاء ولا ماء، ويشكو من عدم توفر منظمات إنسانية حقيقية تقوم بواجبها تجاه ضحايا الحرب.

أنقاض وذكريات
ويزور ياسر أنقاض منزله الذي دمره التحالف، فلا يجد سوى بعض أدوات منزله، كما يتأمل في بقايا المنازل ويتذكر جيرانه الذين قضوا أيضا بالقصف العشوائي، ويتنفس من مسام الأبنية المهدمة رائحة الحياة من جديد.

يؤثر ياسر الصمت ويقرر أن يلبس الحزن منتظرا موته القريب، لكننا نرى في عينيه أن بعض الموت ألم، وبعضه انتهاء، وبعضه حياة. فهو ما زال في حقيقة الأمر يكافح كي يعيش.

هكذا هي الحرب مأساة دائمة. وأشنع ما فيها أنها لا تترك فرصة لتذوق طعم الفرح، فالحرب ترقب ساعتها بتململ، وتخبرنا بطريقتها أنها على موعد مع أحدنا أيضا، وتحرص على أن تحجز لنا مواعيد الموت والحزن والفقدان دون أن نعلم.

المصدر : الجزيرة