أبو مازن المهدد بالرحيل.. أي جدار يستند إليه؟

مؤشرات وتصريحات عديدة توحي برغبة أطراف معنية في إنهاء حقبة أبو مازن في القيادة الفلسطينية (رويترز)
مؤشرات وتصريحات عديدة توحي برغبة أطراف معنية في إنهاء حقبة أبو مازن في القيادة الفلسطينية (رويترز)

علي صبري

كأحجية البيضة والدجاجة أيهما ينتج الآخر، يصعب ترتيب السبب والنتيجة في تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس المتتالية، التي يفتح فيها النار على كل الأطراف من جهة، وتزايد ردود فعل عربية وغربية شرسة ضده، والمطالبة برحيله من جهة ثانية.

فقد كان آخر هذه التصريحات ما جاء في خطابة في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني، من أن "المسألة اليهودية التي كانت منتشرة في أوروبا ضد اليهود ليست بسبب دينهم، بل بسبب الربا والبنوك، والدليل على ذلك أن هناك يهودا في الدول العربية، وأتحدى أن تكون حدثت قضية ضد اليهود في الوطن العربي منذ 1400 سنة، لأنهم يهود في أي بلد عربي".

هذه التصريحات أثارت سلسلة من المواقف الرسمية الإسرائيلية والأميركية وحتى الأممية، واعتبروها معادية للسامية، وطالب بعضهم برحيل أبو مازن عن سدة حكم السلطة، واعتبر آخرون هذه التصريحات مؤشرا على قرب الرحيل.

فقد أدانت أطراف عدة حديث أبو مازن، واعتبرته غير مقبول ومعاديا للسامية، منها منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، والمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، والاتحاد الأوروبي ممثلا في خدمة العمل الأوروبي الخارجي.
الزعاترة يرى أن الهجوم على أبو مازن إمعان في ابتزازه سياسيا (مواقع التواصل الاجتماعي)

هذا فضلا عن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومندوب إسرائيل الدائم بالأمم المتحدة داني دانون، أما وزير الأمن الإسرائيلي جلعاد إردان فقد كان الأشد هجوما على أبو مازن حين قال على صفحته على فيسبوك " لقد حان الوقت لأن يتنحى رئيس السلطة الفلسطينية. ومع كل يوم يمر، تتراكم العنصرية لدى أبو مازن وتكبر الدعاية المعادية للسامية".

كما اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها أمس الأربعاء أن "خطاب محمود عباس كان متدنيا من جديد، فهو لا شك يشعر بالمرارة والحصار من جميع الجهات، لكنه أثبت أنه قد حان الوقت لأن يترك منصبه".

وكان السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان قد هدد الرئيس الفلسطيني باستبداله حين قال "إذا لم يقبل عباس الانخراط في مفاوضات مع إسرائيل فسيتم إيجاد بديل له يملأ الفراغ الذي سيحدثه".

أبو نعمة يعتقد بأن ما يهم إسرائيل من أبو مازن هو القبول بالتسوية على حساب الشعب الفلسطيني (مواقع التواصل الاجتماعي)

نهاية الطريق
حملة التصريحات الإسرائيلية والغربية قرأها مراقبون على أنها ابتزاز للجانب الفلسطيني، ووضع المزيد من الضغط على رئيس السلطة، وصرف الانتباه عن الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني؛ فقد قال الكاتب الفلسطيني ياسر الزعاترة في تغريدة له إن الحملة على عباس هي ضرب من الابتزاز الذي اعتادوا عليه، رغم ما يقدمه لهم، لكنهم يريدون المزيد.

أما الكاتب مأمون فندي، فقد رأى في تغريدة "أن النقاش حول الرئيس عباس هو محاولة لصرف الانتباه عن السنوات الستين الأخيرة من القتل الإسرائيلي المنتظم للفلسطينيين والاحتلال القبيح. ندرك جميعًا الهولوكوست التاريخية، ولكن ماذا عن الهولوكوست الجديدة؟ الأخلاق غير قابلة للتجزئة".

ويرى مراقبون أن الأطراف التي تهاجم أبو مازن اليوم إنما تستثمر تصريحاته للحديث مجددا عن الحاجة لرحيله عن رأس السلطة الفلسطينية، باعتباره لم يعد شريكا في عملية السلام، لأنه يرفض القبول بما تسمى "صفقة القرن"، وتبحث هذه الأطراف عن الشريك المستعد للقبول بهذه الصفقة.

فقد غرد علي أبو نعمة بقوله "رئيس" السلطة الفلسطينية محمود عباس كان دائماً منكرًا للهولوكوست. لكن هذا لم يكن يهم أسياده الإسرائيليين والجماعات الصهيونية ما داموا يرونه مستعدا للتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني".

فندي يطالب بإدانة المحرقة الحديثة بحق الفلسطينيين مثل إدانة محرقة اليهود بأوروبا (مواقع التواصل الاجتماعي)

أي سند؟
ويبقى تساؤل عدد من المراقبين قائما حول الجدار الذي يستند إليه الرئيس الفلسطيني في مواجهة الحملة الإسرائيلية والغربية المطالبة برحيله، فهو على الصعيد الداخلي لا يكل عن التصعيد ضد حركة حماس في كل مناسبة، ومؤخرا فتح النار على الإخوان المسلمين في مصر، والرئيس السابق محمد مرسي بحديثه عن توطين الفلسطينيين في سيناء.

وعلى صعيد جبهة فتح الداخلية، يواجه أبو مازن معركة شرسة مع غريمه محمد دحلان المفصول من حركة فتح، والمدعوم من عدة دول عربية مثل مصر والإمارات والسعودية، والمقبول أميركيا وإسرائيليا لتولي قيادة السلطة.

وعربيا، تمارس الرياض -بما تمثله من ثقل سياسي عربي- ضغوطا شديدة على الرئيس الفلسطيني لقبول صفقة القرن، فقد نُسب إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قوله إن القيادة الفلسطينية فوتت العديد من الفرص خلال العقود الأربعة الماضية، وقد حان الوقت لقبول ما يعرض عليهم، أو فليصمتوا وليتوقفوا عن التذمر.

فما الذي يركن إليه أبو مازن في معاركه مع كل هذه الجبهات، وهل تكفيه الشرعية التي يبحث عنها تحت سقف المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في رام الله لمواجهة كل هذه التحديات؟ أم أنه يفتح النار على كل هذه الأطراف لأنه أيقن أنه راحل لا محالة؟ أسئلة قد تجد إجابات في المستقبل القريب.

المصدر : الجزيرة