صوفية مصر.. السلطة وتوظيف العاطفة الدينية

صوفية مصر.. السلطة وتوظيف العاطفة الدينية

السلطات المصرية تسمح بالأنشطة الصوفية خاصة في شهر رمضان (الجزيرة)
السلطات المصرية تسمح بالأنشطة الصوفية خاصة في شهر رمضان (الجزيرة)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

حين امتلأت القاعة بالجمهور وخفتت الإضاءة، صعدوا إلى المسرح بإطلالتهم المعتادة: الجلباب الأبيض والعمامة الخضراء التي يدنو منها وشاح باللون نفسه، لينشدوا أغانيهم التي تدور في فلك مدح الرسول عليه الصلاة والسلام وأسباطه.

يصفق الجمهور بحرارة لفرقة الحضرة خلال حفلها في دار الأوبرا المصرية مساء السبت، بل إن منهم من يحرك جسده كما في حلقات الذكر الصوفية.

فرقة الحضرة هي فرقة إنشاد صوفي بمصر بدأت نشاطها عام 2015، ويبلغ عدد أعضائها 17 منشدا وعازفا و"راقص تنورة".

خلال أيام شهر رمضان تكثر الأنشطة الصوفية في المراكز الثقافية والمساجد في مصر، في مقابل منع أي نشاطات للتيارات الإسلامية الأخرى. وتوجد في مصر 77 طريقة صوفية، منها 67 طريقة مسجلة لدى المجلس الأعلى للطرق الصوفية.

وفي السنوات الأخيرة أفسحت السلطة المجال لأتباع الطرق الصوفية لنشر فكرهم، كما تولوا مناصب دينية وسياسية كونهم يؤيدون كل ما يخدم النظام، بحسب مراقبين.

ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية عبد الهادي القصبي هو نفسه رئيس لجنة التضامن الاجتماعي في البرلمان، ونقيب الأشراف محمود الشريف هو وكيل مجلس النواب، كما أن شيخ الأزهر أحمد الطيب يتبع الطريقة الخلوتية الحسانية التي كان والده شيخا لها.

عوف: المتصوفة يحصرون الإسلام في بعض الأوراد وهذا ما تريده الأنظمة المستبدة (الجزيرة)

خدم السلطة
من جهته يرى عضو جبهة علماء الأزهر الشيخ محمد عوف الإنشاد الصوفي وسيلة من وسائل الترويج للطرق الصوفية بمصر، "بما يتماشى مع المفاهيم والأفكار السطحية والجوفاء عن مفهوم التدين"، بحسب قوله.

ويقسّم الشيخ الأزهري المتصوفة في مصر إلى ثلاثة أنواع، أولهم الذين يتبعون التصوف بمفهومه الإسلامي الحقيقي وهم قلة، وثانيهم الدراويش وهم العوام من قليلي العلم والفهم، أما الفئة الثالثة فيرتكز فيها أصحاب النفوذ والمناصب وخدم السلطة.

ويردف: "للأسف النوع الثالث يوجد على رأس المؤسسات الدينية بمصر، وخاصة مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء"، مضيفا أن الصوفية تتلقى دعما كبيرا من الدولة والقوى الاستعمارية.

ويدلل عوف على رأيه بإفساح المجال لنشر أفكار المتصوفة وممارسة أنشطتهم بحرية تامة في الداخل والخارج وفي تولي المناصب الدينية الرفيعة.

ولكن ما الذي يجعل السلطة في مصر تنحاز للطرق الصوفية على حساب باقي التيارات الإسلامية؟ يجيب عضو جبهة علماء الأزهر: "المتصوفة يحصرون الإسلام في بعض الأوراد والأذكار والشعائر البعيدة عن منازعة الحاكم أو المطالبة بالحقوق، وهذا ما تريده الأنظمة المستبدة".

إذن الصوفية تضمن للسلطة تدينا مأمون الجانب، وفي مقابل دعم الدولة لها يقدم الصوفيون الولاء للنظام في أي مناسبة، وفق قول عوف، ويوضح أنهم "كانوا يؤيدون الرئيس المخلوع مبارك وعارضوا ثورة 25 يناير والآن يؤيدون السلطة الحالية".

الجمهور يتفاعل مع فرقة الحضرة الصوفية (الجزيرة)

وجوه مختلفة للتصوف
"المستبد يوظف كل شيء لخدمة مصالحه"، هكذا يلخص أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر رمضان خميس الغريب المنطق الذي تستخدمه السلطة الحالية في تعاملها مع المؤسسات المختلفة.

ويوضح للجزيرة نت أن السلطة العسكرية تُوظف العاطفة الدينية ممثلة في الاتجاه الصوفي، ومقابل هذا التوظيف هي تدعم التصوف لقاء بقاء أثره في نفوس الناس.

وبحسب الغريب، فإن آثار هذا الدعم من جانب الدولة ظاهرة على المشهد الديني، ومن أهمها جذب العامة للتصوف "خاصة أن الصوفية أغلبهم من العوام وإن لم يخلوا من أهل العلم".

لكن ذلك لا ينفي الجوانب الإيجابية في جوهر التصوف وفق رؤية أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، مؤكدا أنه في أصله من أهم أبواب العاطفة الدينية، ولو وظف توظيفا سليما لجذب إلى الساحة الإسلامية الكثير من الناس. وأردف: "نحن لا ننكر ما فيه من عاطفة مشبوبة ومتوهجة لكن بشرط أن يكون هذا كله في ضوء ضوابط الشريعة السمحاء".

وفي ذلك أشار إلى أئمة العلم في السابقين الذين تبدو عليهم مسحة التصوف السني العلمي العملي، "وليس تصوف الخرق والبدع والمنكرات".

أما الحفلات الصوفية فاعتبرها الأكاديمي الأزهري ضربا من الخبط البدعي، وأضاف: "لا نكفرهم به بل نشفق عليهم وندعوهم إلى ترسم خطوات المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصفاء والنقاء والانضباط بضابط الشرع الحنيف".

وفي رؤية مغايرة، يطرح شيخ الطريقة الشبراوية الصوفية عبد الخالق الشبراوي أنشطة المتصوفة باعتبارها وسيلة لتحصين الشباب مما وصفها بالأفكار الهدامة.

وقال -في تصريح صحفي- إن الطرق الصوفية تنظر إلى رمضان على أنه فرصة من أجل التقرب لله تعالى بالطاعات وترك المعاصي، موضحا أن أنشطتها تتنوع بين عقد الكثير من الندوات التثقيفية واللقاءات الفكرية عن القضايا الفقهية الشائكة، إلى جانب إفطار الصائمين وزيارة أضرحة أولياء الله الصالحين.

وتقيم المشيخة العامة للطرق الصوفية خلال شهر رمضان سرادقا لأبناء ومشايخ الصوفية أمام ساحة مسجد الحسين بالقاهرة، تقدم فيه وجبة الإفطار للصائمين، وتقام فيه حلقات الذكر من بعد صلاة التراويح حتى الفجر.

المصدر : الجزيرة