الهوس بمحمد صلاح.. حين يثور المصريون لبطلهم

معلقون ولاعبون مصريون سابقون والجمهور المصري اعتبروا أن راموس تعمد إصابة صلاح خلال التحامه معه (غيتي)
معلقون ولاعبون مصريون سابقون والجمهور المصري اعتبروا أن راموس تعمد إصابة صلاح خلال التحامه معه (غيتي)
زهير حمداني-الجزيرة نت

في حب محمد صلاح تجاوز المصريون كل الحدود؛ فليلة إصابة النجم المصري في نهائي رابطة الأبطال مرت عصيبة عليهم، وحلم رابطة الأبطال لنجمهم تبخر، وحلم تحقيق إنجاز في مونديال 2018 كاد أن ينهيه لاعب ريال مدريد سيرخيو راموس، الذي طالته "ثورة" غضب المصريين.

تحول ذلك السيل الجارف من الحب لصلاح إلى ثورة غضب عارمة ضد لاعب ريال مدريد سيرخيو راموس، الذي التحم بخشونة مع النجم المصري الذي خرج متأثرا بإصابة في الكتف في الدقيقة الثلاثين من الشوط الأول. الغضب على راموس كان بحجم "البطل" الجديد الذي تكرس في الوجدان الشعبي.

وفي تعليقه على الحادث، هاجم محمد أبوتريكة لاعب منتخب مصر الأسبق راموس، واتهمه بتعمد إيذاء محمد صلاح لإخراجه والتخلص من خطورته، كما أكد أحمد حسام (ميدو) على تويتر أن راموس تعمد إصابة صلاح، وهو ما أشار إليه أيضا مهاجم المنتخب المصري السابق محمد ناجي جدو وغيرهم.

راموس يحتضن صلاح بعد الالتحام الذي أدى إلى خروجه من الميدان (غيتي)

راموس "العدو"
وعلى تويتر، شنت الجماهير المصرية ثورة غضب كبيرة على راموس، وتصدرت وسوم -وبعضها يحمل كلمات مسيئة لراموس- قائمة الأكثر تفاعلا عالميا.

وذهب الممثل محمد هنيدي إلى حد الدعاء على راموس بحسابه على تويتر قائلا: "ربنا لا يكسبك ولا يربحك يا راموس"، في حين أشاد الفنان أحمد فهمي بصلاح في تغريدة على تويتر ختمها بكلمة مسيئة لراموس.

أما الناقد الرياضي المصري حسن المستكاوي، فرأى أن راموس تعمد إيذاء صلاح، وقال في وسم "كلنا ليفربول" إن "راموس ورث عرش الحماقة من بيبي". في إشارة إلى اللاعب البرتغالي السابق في ريال مدريد وزميل راموس في وسط الدفاع المدريدي الذي عرف بخشونته.

وطالب معلقون ولاعبون سابقون بإيقاف راموس فترة طويلة، في حين أشار آخرون إلى أن ريال مدريد لم يكن ليحقق هذه النتائج -خاصة في هذا النهائي- لولا محاباة الحكام والتغاضي عن أخطاء لاعبيه.

الجانب الدبلوماسي لم يغب أيضا عن أجواء النهائي وإصابة صلاح؛ فالسفير البريطاني بالقاهرة جون كاسن أعرب عن حزنه لإصابة صلاح، وعاتب راموس بقوله "الكل في القهاوي زعلانين، كله منك يا راموس، إن شاء الله تقوم بالسلامة يا أبو مكة وتنور كاس العالم، كلنا وراك".

وإصابة صلاح استدعت أيضا تعقيبا من وزارة الخارجية المصرية، وكذلك من رئاسة الجمهوري، حيث تمنى الرئيس عبد الفتاح السيسي "للبطل المصري" الشفاء والعودة للملاعب قريبا.

وردود الأفعال المصرية الواسعة على إصابة صلاح أو على نتيجة المباراة التي خسرها ليفربول 1-3، تؤكد أن صلاح في الوجدان الشعبي المصري أكثر من لاعب كرة قدم، فهو بطل شعبي بالمعنى الحقيقي للكلمة.

محمد صلاح ساجدا بعد تسجيل أحد أهدافه مع ليفربول (غيتي)

البطل الشعبي
وتشير الدراسات التاريخية والاجتماعية إلى أن المصريين دائما يرتبطون بفكرة "القائد" أو البطل، سواء كان أسطورة أو حقيقيا، ويصل هذا الارتباط أحيانا إلى حالة التوحد أو الهوس.

ففي لحظة الأزمات والارتباك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يحتاج المجتمع أو الضمير الجمعي إلى ذلك الشخص الاستثنائي بصفاته وأعماله كتعبير عن حلم التفوق أو تمسك بالمستقبل وقهر الأزمات -الفردية أو الجماعية- ويجسد هذا الشخص مجموعة من القيم أو الأحلام, التي تسكن الوجدان الشعبي.

ويشير التاريخ المصري إلى حالة من الارتباط فوق العادي بأشخاص كانوا سياسيين أو فنانين أو رياضيين؛ ففي الرياضة لم يُنس محمود الخطيب أو حسن شحاتة أو مجدي عبد الغني أو طاهر أبو زيد أو إبراهيم يوسف، وما زال اسم محمد أبو تريكة نديا لامعا في ذاكرة المصريين، وكذلك أحمد حسن وحسام حسن وغيرهم.

ومع ذلك محمد صلاح شيء آخر، هوس من نوع مختلف؛ جاء الرجل الظاهرة في لحظة سياسية ورياضية يحتاج فيه المصريون فعلا إلى حلم، إلى بطل موحد، إلى شيء يجمعون عليه، وانطبقت كل مواصفات ذلك البطل على محمد صلاح.

صلاح وجه يشبه كل المصريين، جاء من قرية "نجريج" المتواضعة بمحافظة الغربية، شاب دمث وخلوق ومتدين ومثابر، لم يدخل في معمعة الخلاف التاريخي بين الأهلي والزمالك لأنه لم يلعب لأحدهما، وانتمى إلى المقاولون العرب فاكتسب حب مشجعي الفريقين. 

محمد صلاح شيء آخر، هوس من نوع مختلف؛ جاء الرجل الظاهرة في لحظة سياسية ورياضية يحتاج فيه المصريون فعلا إلى حلم، إلى بطل موحد، إلى شيء يُجمعون عليه

يقدر المصريون لصلاح كيف كافح واجتهد خارج مصر- في وقت لم ينجح فيه كثير من اللاعبين المصريين في مسيرة الاحتراف- بدأ قصة عشق الناس له وهو لاعب في بازل بسويسرا، حيث سطر بداية أمجاده مع زميله محمد النني، ويقدرون كيف لم تغيره الشهرة، وكيف بقي مصريا خالصا يساعد الفقراء والمحتاجين.

يحب المصريون سير الكفاح والنجاح، مع محمد صلاح -ووسط جماهير المشجعين في المقاهي- يخيل إليك أن المباراة ليست لعبة، بل هي أقرب إلى معركة سلاحها كرة القدم وأرجل صلاح، فهو تشجيع للرمز والحلم داخل كل واحد فيهم.

في الارتباط بشخصية البطل، قال أحد المشجعين على تويتر خلال مباراة الترشح لنهائيات مونديال 2018: "محمد صلاح الدين الأيوبي، هسمي عيالي كلهم محمد صلاح، ولاد وبنات هيبقى اسمهم محمد صلاح، محمد صلاح بطل مصري أنهى عقدة 28 سنة".

في ظل الإحباط السياسي والضغوط الاجتماعية والاقتصادية يكون البطل هو المهرب، بما يمثله من أحلام شخصية وقومية. يصبح ليفربول الإنجليزي النادي الأكثر شعبية في مصر، وسيرخيو راموس الأكثر كراهية حاليا لدى المصريين -وقد يفكر مشجعو الريال قليلا في ذلك- ويصبح الدعاء لصلاح بالشفاء هو السائد.

ينتظر المصريون خبرا مطمئنا عن صحة صلاح، أن يقطعوا الشك باليقين على أنه سيشارك في مونديال روسيا بعد أقل من شهر، ليكمل مسيرة البطل على أرضية الملعب وفي قلوبهم.

المصدر : الجزيرة