جرادة المغربية.. هل تنجح العصى بوأد الاحتجاجات؟

احتجاجات سابقة بحي المنار بمدينة جرادة (الجزيرة)
احتجاجات سابقة بحي المنار بمدينة جرادة (الجزيرة)

الجزيرة نت-جرادة

لم تعد ساحة السوق المغطى بمدينة جرادة شرقي المغرب المعروفة بساحة "المارشي" -بتعبير أهل المدينة- كما كانت في السابق، فمنذ بداية رمضان الجاري وثلاث سيارات شرطة ترابط بإحدى زواياها تراقب تحركات الناس هناك.

ويقول أحمد -وهو من سكان المنطقة المجاورة للسوق- للجزيرة نت إن الوجود الأمني في هذا المكان ما كان ليكون كما هو اليوم لولا أن المحتجين بشكل متقطع منذ 22 دسمبر/كانون الأول الماضي عقب مصرع شقيقين بمنجم عشوائي للفحم الحجري، حاولوا نقل احتجاجاتهم من الأحياء السكنية إلى هذه الساحة.

وقد تمكن المحتجون فعلا من تنظيم احتجاجات في الساحة الاثنين الماضي، وكان ذلك تجليا من تجليات عودة الاحتجاجات لمدينة جرادة، بل وضع النشطاء برنامجا احتجاجيا خاصا في شهر رمضان، يتضمن مسيرات ووقفات احتجاجية بالأحياء والساحات.

وقابلت السلطات الإصرار على العودة للشارع بتعزيز الوجود الأمني في الأحياء والأزقة المؤدية إلى الطرق الرئيسية لمنع تنظيم مسيرات احتجاجية، ووصول المحتجين للأماكن المحددة للاحتجاج. فهل تنجح العصى في وأد الاحتجاجات بالمدينة؟

العودة للشارع
ركز البرنامج الذي وضعه النشطاء للأسبوع الأول من رمضان -الذي تناقلوه على نطاق واسع على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي- على الخروج في مسيرات في الأحياء، واتفقوا بدل التجمع في مسيرة واحدة على تنظيم مسيرات وأشكال احتجاجية عدة في الزمان نفسه في أحياء متفرقة.

الناشط الحقوقي سعيد عاشور -وهو أحد المشاركين في الاحتجاجات بحي المنار- قال إنه منذ مطلع رمضان الجاري والسكان يخوضون احتجاجات متفرقة في ظل كرّ وفرّ مع قوات الأمن التي تحاول منعهم بالقوة.

وتخلل هذه الاحتجاجات الاثنين الماضي إضراب للتجار بالمدينة، في خطوة تضامنية مع المعتقلين القابعين في السجن على خلفية الاحتجاجات التي عرفتها المدينة سابقا.

الاحتجاجات تعود لشوارع مدينة في جرادة والسلطات المغربية تصر على منعها (الجزيرة)

ويضيف عاشور للجزيرة نت أن السكان يحرصون على الخروج في الأحياء بعد صلاة التراويح، بل وإبداع أشكال أخرى من الاحتجاج كالقرع على الأواني المنزلية للتأكيد على استمرار الحراك الشعبي في هذه المدينة.

ورغم المحاولات الحثيثة للسلطات للحؤول دون تجدد الاحتجاجات بالدفع بالأمن إلى الأحياء، ورغم لجوئها لوسائل أخرى للضغط، كما حصل مع عاشور إذ أوقفت السلطات العمل بترخيص استغلال سيارة أجرة منحته إياه قبل سنوات في إطار سعيها لدمج الشباب المتعلم في سوق العمل، دون أن يتسلم حتى الآن قرارا يبرر ذلك.

العديد من النشطاء الذين استطلعت الجزيرة نت آراءهم حول تجدد الاحتجاجات، أكدوا أنها في حقيقة الأمر لم تتوقف في جرادة منذ الهدنة التي كان قد أعلن عنها عدد من النشطاء، الذين التقوا بالمسؤولين المحليين بعد أسبوعين تقريبا من المواجهات الدامية، التي وقعت بين المحتجين ورجال الأمن يوم 14 مارس/آذار الماضي.

واستمر النشطاء بحي المنار في تنظيم الوقفات الاحتجاجية وجلسات النقاش والتداول في مطالب الحراك الشعبي، وبالخصوص حول أشكال الضغط على السلطات للإفراج عن المعتقلين، وتنفيذ مطالب السكان من بديل اقتصادي وحل لفواتير الكهرباء، ومحاسبة المسؤولين على الأوضاع في المدينة.

نقطة الصفر
ويبدو أن عودة الاحتجاجات للشارع بجرادة بددت الآمال في استمرار "الهدنة"، وانقشاع سحابة التوتر التي تخيم على المدينة منذ ستة أشهر، بل إن هذه الاحتجاجات أعادت بتعبير العديد من المتابعين الوضع إلى نقطة الصفر.

ويرى محمد فازيقي -وهو أحد أعضاء لجنة الوساطة التي حاورت السلطات باسم السكان قبل أسابيع عدة لتلطيف الأجواء- أن عودة الاحتجاجات وعودة قوات الأمن إلى التمركز في الأحياء يعقّد الوضع بعدما لاح في الأفق بصيص أمل لطيّ الملف.

وكانت لجنة الوساطة قد قدمت ملتمسا مكتوبا سلم لوالي محافظة الشرق للعمل على حل ملف المعتقلين، الذين أوقفتهم السلطات الأمنية منذ المواجهات التي وقعت في المدينة. وبعد قرار الجهات القضائية الإفراج عن عدد من المعتقلين عقب تقدم دفاعهم بملتمسات السراح المؤقت، عادت قوات الأمن لاعتقال العديد من النشطاء الجدد بعد تجدد الاحتجاجات في المدينة.

سعيد عاشور: السكان يحرصون على إبداع أشكال أخرى من الاحتجاج (الجزيرة)

ويكشف محامي المعتقلين في الاحتجاجات عبد الحق بنقادي أن 13 معتقلا جديدا أضيف إلى لائحة المعتقلين السابقين، الذين يقدر عددهم بأكثر من 50 معتقلا، أحيلوا أيضا على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمدينة وجدة شرقي المغرب.

إصرار على المنع
رغم جلسة الحوار التي عقدتها السلطات مع لجنة الوساطة بعد المواجهات التي راح ضحيتها العشرات، أغلبهم من عناصر قوات حفظ النظام العام، فإن الذين تمعنوا جيدا في قرار وزارة الداخلية منع الاحتجاجات غير المرخصة يوما واحدا قبل تلك المواجهات يفهمون أن لغته الصارمة تكشف عن إصرار لإنهاء الاحتجاجات في المدينة على غرار ما حدث بمدينة الحسيمة.

ويبرز هذا الإصرار من خلال حجم القوات المستقدمة للمدينة، إذ تظهر لزائر مدينة جرادة من الوهلة الأولى، وعلى مشارفها وبالتحديد بمنطقة لعوينات العشرات من سيارات وشاحنات القوات العمومية التي تنقل العناصر المكلفة بحفظ النظام بالأحياء.

من جهتهم يؤكد عدد من الوزراء في حكومة سعد الدين العثماني أن الأخيرة ملتزمة بتنفيذ "سلة الحلول" المقترحة لمدينة جرادة، وشرعت في ذلك بعدد من الإجراءات.

المصدر : الجزيرة