مليارات "نجيب" تنافس حدث التحول الديمقراطي بماليزيا

نجيب عبد الرزاق يمثل أمام هيئة مكافحة الفساد بماليزيا (رويترز)
نجيب عبد الرزاق يمثل أمام هيئة مكافحة الفساد بماليزيا (رويترز)
قوة الزلزال الديمقراطي الذي ضرب ماليزيا يوم 9 مايو/أيار الماضي وقلب الحياة السياسية رأسا على عقب في غضون ساعات قليلة، لم يجذب اهتمام الشارع الماليزي والإعلام العالمي بقدرما استقطبتهم التحقيقات مع رئيس الوزراء الخاسر نجيب عبد الرزاق في شبهات الفساد الكثيرة المثارة ضده.

ورغم أن شبهات الفساد موجهة لنجيب منذ ثلاث سنوات، فقد حماه موقعه على رأس الهرم السياسي من الوقوف أمام هيئة مكافحة الفساد والتحقيق معه بشكل رسمي. أما بعد خسارته المعركة الانتخابية فقد وضع الحاكم الجديد مهاتير محمد القضية على رأس أولوياته، وباشر بمتابعتها حتى قبل تشكيله الحكومة، وجعلها مهمته المقدسة قبل تنازله عن الحكم لخليفته المرتقب أنور إبراهيم.

يصف المحققون قضية "الصندوق السيادي الماليزي للتنمية" (1MDB) بأنها أكبر عملية اختلاس في التاريخ، إذ تبلغ قيمة المبالغ المسروقة من الصندوق 4,5 مليارات دولار. اختلست منذ تأسيس الصندوق عام 2009 حين تولى نجيب عبد الرزاق الحكم بصفته رئيسا للمنظمة المالاوية المتحدة "أمنو"، وهو الحزب الأساسي في الجبهة الوطنية التي حكمت ماليزيا على مدى ستين عاما متصلة، وفقدت السلطة الشهر الجاري.

فساد بالمليارات
تزدحم الشبهات حول رأس نجيب، وكلها من الوزن الثقيل، بين جرائم مالية وأخرى جنائية، لكن ملف الصندوق السيادي يبقى هو القضية الأسخن والأثقل وزنا، ليس في الشارع الماليزي فحسب، لأن القضية تمددت إلى دول أخرى عديدة، كانت مسرحا لغسل الأموال المنهوبة من الصندوق؛ مثل الولايات المتحدة وسويسرا وهونغ كونغ وسنغافورة ولوكسمبورغ والإمارات وسيشيل.

وحسب حسابات الصندوق السيادي التي كشف عنها، فإن الصندوق الذي أسسه وترأسه نجيب على مدى تسع سنوات تراكمت عليه ديون بقيمة 11,7 مليار دولار. وهي قضية تستدعي التحقيق فيها لسوء الإدارة على أقل تقدير.

وحسب صحيفة "ستار" فإن مسؤولَين في الصندوق السيادي أقرا في لقائهما اليوم بوزير المالية "ليم غوان إنغ" بعجز الصندوق عن دفع الديون المستحقة. ووصف أحدهما مبالغ مستثمرة خارج البلاد بأنها وهمية، مثل 940 مليون دولار مستثمرة في سنغافورة، و1,5 مليار دولار مستثمرة في بلاد أخرى. وفي حال تمت تصفيتها يمكن سداد ديون الصندوق في السنوات القليلة القادمة.

وقال وزير المالية إن الحكومة بصدد تعيين شركة حسابات لتحديد الوضع المالي للصندوق، حتى يمكن تحديد الآليات المناسبة لسداد الديون المستحقة ومعالجة العجز المالي القائم.

ويواجه نجيب شبهة الفساد في تلقيه مبلغ 680 مليون دولار دفعت من الصندوق لحسابه، وهو ما دفع النائب العام آنذاك لإصدار أمر قبض على رئيس الوزراء، الذي أمر بعزل النائب العام مع وزراء تساءلوا عن دوره في الصندوق السيادي، وعيّن نائبا عاما جديدا برأ ساحته سريعا، بالقول إن هذا المبلغ عبارة عن تبرع للحزب من أحد أفراد العائلة المالكة بالسعودية.

وكان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قال في معرض تعليقه على خبر التبرع السعودي لنجيب، إنه كان على علم بالتبرع بالمبلغ دون انتظار مقابل. وكان المدعي العام "محمد أبندي علي" قال إن التبرع جاء من أحد أبناء الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

وقال علي في حوار مع قناة "آي بي سي" الإخبارية، وصحيفة وول ستريت جورنال إن لديهم أدلة بأن المبلغ لم يحول من السعوديين وإنما من شركات مرتبطة بالصندوق السيادي. وقد دخل المدعي العام الماليزي في إجازة اعتبارا من 15 مايو/أيار الجاري بأمر من مهاتير محمد، ومنع من السفر. لكن لا يعرف على وجه اليقين الجهة أو الشخص السعودي الذي تبرع، ولأي غرض يتم التبرع بهذا المبلغ الكبير جدا لحساب نجيب الشخصي وليس للحكومة.

ويجري التحقيق في مبلغ عشرة ملايين ونصف دولار أخرى حولت عام 2015 إلى حساب نجيب الشخصي من حساب شركة (إس آر سي الدولية)، وهي إحدى المؤسسات التي أنشأها الصندوق السيادي عام 2011، للعمل على جلب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة. قبل أن تلحق بوزارة المالية عام 2012.

وتبدو هذه القضية هي الأسهل في عمل هيئة مكافحة الفساد في تتبع مسار التحويلات المالية، لأنها تمت من جهات ماليزية، فيما تمت التحويلات في قضايا أخرى متعلقة بالصندوق السيادي عبر بنوك أجنبية وشركات، وهو ما يزيد من صعوبة تتبع تفاصيلها.

عودة ذات دلالة
فور توليه السلطة طالب مهاتير محمد نائب رئيس هيئة مكافحة الفساد السابق محمد شكري عبدول بتولي رئاسة الهيئة والتحقيق في الشبهات المثارة حول نجيب. ولهذا الاختيار دلالته، فعبدول كان تولى مع رئيس الهيئة السابق أبو القاسم محمد فتح التحقيق في قضية الصندوق السيادي، وطلبوا نجيب للتحقيق وهو في السلطة. إلا أن رئيس الوزراء أقالهم من منصبهم وعين رئيسا جديدا للهيئة، الذي عجل بتبرئة نجيب من التهمة.

وقد روى عبدول في مؤتمر صحفي عقب اختياره للمنصب الجديد قصة مغادرته للمنصب السابق والبلاد إلى الولايات المتحدة هربا من الاعتقال المتوقع، وكيف لاحقته عناصر أمنية في واشنطن ونيويورك، ووجهت له الحكومة تهمة الخيانة للوطن. لكن اليوم اعتذر رئيس الهيئة المقال ذو الكفل أحمد لعبدول لأنه وجه له تهمة خيانة البلاد.

يعود عبدول اليوم ليتولى التحقيق مع غريمه نجيب بكامل الصلاحيات والدعم من الحكومة والمجتمع. وربما يصبح نجم الساحة وحديث المجالس في ماليزيا في الفترة القادمة، باعتباره المحقق الأول في أكبر قضية فساد تهز ماليزيا، وأول رئيس وزراء مرشح للسجن بمثل هذه التهم.

المصدر : الجزيرة