قرصنة "قنا".. مؤامرة حصار دبرت بليل

مثلت قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة الخليجية (الجزيرة)
مثلت قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة الخليجية (الجزيرة)
أمين محمد حبلا-الجزيرة نت

قبل نحو عام وفي ليلة 23 مايو/أيار الماضي تحديدا، اجتمع مسؤولون إماراتيون على أعلى المستويات -وفقا لصحيفة واشنطن بوست- لوضع اللمسات الأخيرة على خطة اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية (قنا)، وهي الخطوة التي أشعلت حريقا هائلا في البيت الخليجي ما زال لهبه وحممه في تصاعد مستمر.

وفي صباح اليوم التالي كان للقوم ما أردوا، تمكن القراصنة من اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشروا فيها تصريحات مكذوبة منسوبة لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وبعد لحظات من الاختراق وقبل أن يتوارى القرصان بعيدا، كانت قناتا "العربية" و"سكاي نيوز" تسابقان الزمن لبث عشرات العواجل حول مضامين الخطاب المفبرك، في حملة إعلامية بدا واضحا أنها أعدت وطبخت على نار هادئة توقيتا وضيوفا ومضامين.

سارعت قطر -بعد وقت وجيز من اختراق وكالتها وبدء الحملة الإعلامية عليها- إلى الإعلان عن قرصنة الوكالة ونفي التصريحات المنسوبة لأميرها، وطالبت وسائل الإعلام بتجاهل تلك التصريحات الملفقة، ولكن "الهجمة" الإعلامية كانت مندفعة دون كوابح ومنفلتة دون روادع.

مفاعيل قمة الرياض
قبل اختراق "قنا" بيومين، كان قادة الدول العربية والإسلامية يتداعون إلى قمم مشتركة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض، وسط أجواء احتفالية وتوافق على محاربة "الإرهاب" ومواجهة إيران.

بدا لاحقا أن ما دار خلف الكواليس كان مختلفا تماما عما كان يدور في الاجتماعات العامة وأمام الكاميرات، وأن الاحتفاء "المبهر" بـ"الضيوف" القطريين لم يكن يعكس حقيقة ما يجيش في الصدور ويخطط له خلف الأبواب المغلقة.

ففور عودة الركبان إلى ديارهم وقبل أن يجف حبر قمم الرياض، بدأت أولى مفاعيل التفاهمات السرية في الظهور إلى العلن مستهدفة الجار القريب (قطر) عبر بوابة القرصنة والاختراق ونشر التصريحات المفبركة.

ورغم أن اختراق الوكالة الرسمية لقطر بدا مفاجئا وصادما للقطريين وغيرهم؛ فإنه لم يكن سوى خطوة واحدة من مسلسل طويل كان يتضمن أيضا -وفقا لما ذكره وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد بن محمد العطية، وتحدثت عنه وسائل الإعلام العالمية- مخططا للتدخل العسكري وقلب نظام الحكم في قطر.

وانطلق هذا المخطط -وفقا لوسائل إعلام أميركية- بناء على تطمينات من صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، الذي كان من المؤيدين للحصار بعد رفض قطري طلب والده في نهاية أبريل/نيسان 2017 تمويل شركته العقارية المتعثرة، وفقا لما كشفه لاحقا موقع "أنترسبت" الأميركي.

كما استندت دول الحصار في مخططها ضد قطر على تصور مؤداه أن الإدارة الأميركية -وفي الصدارة منها رئيسها ترامب- لا تمانع في القيام بأي خطوات حتى لو كانت عسكرية ضد قطر، خصوصا بعد الصفقات بمئات المليارات التي عقدها ترامب على هامش قمم الرياض.

لكن دول الحصار وجدت نفسها في ورطة بعد تحذيرها أميركيا من مغبة القيام بعمل عسكري ضد قطر، وفقا لما نقلته وسائل إعلام أميركية.

انكشاف المستور
ربما أراد الذين خططوا لاستهداف قطر أن يأتي من البوابة الخلفية عبر وسائل مستترة وبعيدة عن الأنظار، فاختاروا قرصنة الوكالة وبث تصريحات مفبركة عليها؛ ولكن التحقيقات القطرية بالتعاون مع دول وأجهزة عالمية سرعان ما كشفت المستور.

فقد أعلنت وزارة الداخلية القطرية في 20 يوليو/تموز الماضي، أن التحقيق بشأن جريمة قرصنة مواقع وكالة الأنباء القطرية كشف أن عنوانين للإنترنت في دولة الإمارات استخدما لتنفيذ عملية الاختراق.

وقبيل ذلك بثلاثة أيام نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين في المخابرات الأميركية قولهم إن الإمارات العربية المتحدة تقف وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية ومواقع حكومية أخرى، وهو ما أدى إلى اندلاع أزمة الخليج.

وبحسب الصحيفة، فإنه ليس من الواضح من معلومات المخابرات الأميركية ما إذا كانت الإمارات هي التي قامت بالقرصنة بشكل مباشر أو أنها أوكلت القيام بذلك لمتعاقدين.

ولاحقا نقلت قناة "أن بي سي" الأميركية عن مسؤولين أميركيين، تأكيدهم صحة التقارير عن قرصنة الإمارات العربية المتحدة وكالة الأنباء القطرية (قنا).

ونقلت القناة عن مسؤول أميركي استخباراتي أن واشنطن ترى أن الإمارات مسؤولة عن قرصنة الوكالة، وأنها استخدمت متعاقدين خاصين لتنفيذ العملية.

وفي نهاية أغسطس/آب الماضي، ألقت تركيا القبض على خمسة أشخاص قالت صحيفة "يني شفق" المقربة من الحكومة التركية إنهم أعضاء في الشبكة التي اخترقت وكالة الأنباء القطرية.

ورغم ما أفضت إليه التحقيقات -بحسب التصريحات الرسمية- وما تناقلته وسائل إعلام عالمية من اتجاه البوصلة نحو الإمارات، فقد تنصل سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة من المسؤولية عن اختراق الوكالة القطرية ونشر أخبار كاذبة، لكنه تهرّب من التأكيد على أن ما نشره المخترقون كان كاذبا.

مرارة الذكرى
ولم تمرّ الذكرى الأولى لمضي عام كامل على العملية التي مثلت شرارة اندلاع أزمة ما زالت جراحها مفتوحة وتطوراتها مستمرة مرور الكرام، بل حلت ثقيلة على نفوس القطريين مفعمة بمشاعر الخيبة والأسى، حيث عادوا من جديد إلى صفحات التواصل الاجتماعي يستذكرون بمرارة وقائع تلك اللحظات وما رافقها من صدمات وخيبات ما زالت تعتمل في النفوس.

لم يكن حديث المغردين القطريين اليوم عن تلك الواقعة على وسم #ذكرى_فبركات_منتصف_الليل مثل حديثهم عنها أول مرة قبل عام، فحينها كانت المفاجأة والصدمة وكان التوقع والتوجس، واليوم كانت الثقة والاطمئنان وكان التأمل والإصرار، كان حديث الدروس والذكريات لا حديث الترقب والتوقعات.

ورأت المغردة إلهام بدر أن تلك الذكرى "زادتنا صمودا وتكاتفا وصعودا، وزادت #حلف_الفُجار تأزما وتفككا وانحطاطا".

بينما اعتبر المغرد محمد الكواري أنه "كان واضحا للجميع أنه أمر مدبر تمهيدا لشيء أكبر .. الغريب أن تمهيد وتحضير هذه الدول الكرتونية كان فبركة وكذبا وتلفيقا.. فقدوا احترام شعوبهم قبل فقدهم لكل مشاعر طيبة تجاههم في نفوس القطريين!!".

ويستعيد المغرد حمد لحدان المهندي‏ تطورات الساعات اللاحقة بعد الحادثة: "بعد ساعات من اختراق وكالة الأنباء القطرية وبث الفبركات، هبّ الخليجيون جميعا ضدها ووقفوا بجانب قطر خصوصا مغردو دول الحصار، مما اضطر دول الحصار إلى إصدار قانون تجريم التعاطف مع قطر لوقف تلك التغريدات التي كانت تقف مع قطر وتؤيدها في موقفها ضد الفبركة".

وتقرأ فيها المغردة ابتسام آل سعد انقلابا في خريطة القوى بالمنطقة، قائلة إنها مثلت "بداية تنفيذ #الرياض لتعليمات #أبوظبي لتصبح الأخيرة عاصمة قرار السعودية!"، بينما تؤكد مغردة أخرى تسمى مريم فخرو أن "ذكرى تلك الليلة ستبقى خالدة في أذهان القطريين، هي الصدمة الأولى، وبداية نزف الجرح، بداية الطعن والغدر، وبداية الظلم، بداية لسلسلة الاتهامات الباطلة التي طالت وطننا الغالي وقيادتنا الحبيبة".

وتحدث كثيرون عن المغانم والمكاسب التي تحققت لقطر بعد الأزمة، واعتبرها آخرون ميلادا جديدا لدولة قطر، بينما توارت قصة الاختراق وما صاحبها من فبركات كما يقول المغرد تاج السر عثمان: "قصة بدأت بكذبة مصيرها الفشل، لو كانوا يملكون أدلة ما احتاجوا للاختراق والفبركة، إن المرء ليستحي أن يقابل إنسانا كذب عليه في الخفاء فأين سيذهب أولئك بوجوههم وقد بلغت كذبتهم الآفاق وانكشفوا على رؤوس الأشهاد؟".

المصدر : الجزيرة + وكالات,الصحافة الأميركية