في مصر.. موائد رمضان يلتهمها الغلاء

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

بعيدا، في الزاوية التي تختفي عن المارة ثمة رجل يجلس داخل سرادق مائدة الرحمن يلهج بالذكر والتسبيح في انتظار رفع أذان المغرب، وسيأتي آخرون تباعا ليتناولوا معه الإفطار على المائدة التي يلتف حولها فقراء طوال شهر رمضان الكريم بحي السيدة زينب وسط القاهرة.

لا كراسي شاغرة على هذه المائدة بل إن بعض الفقراء افترشوا الرصيف جوار السرادق، فالموائد أصبحت شحيحة حتى في حي السيدة زينب الذي كان يشتهر بكثرة الخير في شوارعه العتيقة.

بين شقوق يديه تكمن الحكاية، يعمل الحاج مصطفى (65 سنة) -الذي لم يحج بعد لكن التسمية على سبيل التمني منه وممن ينادونه بالحاج- بائعا متجولا أمام مسجد السيدة زينب منذ عقود واعتاد تناول إفطاره على موائد الرحمن التي كان الحي يزدحم بها.

يقول مصطفى للجزيرة نت إن كثيرا من المحسنين انصرفوا عن إقامة موائد الرحمن بسبب غلاء السلع وصار الناس يتزاحمون على الموائد القليلة التي تصارع الغلاء وتستمر في تقديم الإفطار للفقراء.

خلال إعداد الإفطار لضيوف الرحمن بإحدى موائد بالقاهرة (الجزيرة)

ويتذكر الرجل الستيني كيف كانت موائد الرحمن تغلق مرور حي السيدة زينب ويأتي إليها الصائمون سواء الفقراء أو غير الفقراء من الأحياء الأخرى.

ويضيف أن أكبر مائدة في الحي كان يقيمها رئيس البرلمان الأسبق الدكتور فتحي سرور -وهو أحد رموز نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك- وكانت تمتد لأكثر من خمسمئة متر جوار مسجد السيدة زينب وتقدم أشهى المأكولات.

ويتابع "كان الخير كثيرا لدرجة أن مسيحيين كانوا يقيمون موائد للفقراء لكن الأمور تبدلت بعد ثورة يناير للأسوأ".

ويتوقف العجوز عن الحديث ويشير بيده إلى نهاية السرادق حيث تجلس سيدة وأطفالها ثم يقول "هذه السيدة بلا مأوى، تعيش وأولادها على الرصيف، لن نموت جوعا لو توقفت هذه المائدة وذهبت تكلفتها لتوفير سكن لهذه السيدة".

غلاء كبير
تكلفة إقامة مائدة الرحمن لألفي صائم طوال الشهر الكريم تصل إلى نحو 750 ألف جنيه (نحو 42 ألف دولار) بعدما كانت لا تتجاوز 120 ألف جنيه قبل ثورة 25 يناير، حسبما يقول حسن المشرف على مائدة في السيدة زينب.

ويوضح حسن للجزيرة نت أن "الأمور تفاقمت بشكل تدريجي، فقد أنفقنا العام الماضي خمسمئة ألف جنيه على المائدة والعام قبل الماضي ثلاثمئة ألف جنيه"، مضيفا أن "هذا الارتفاع الجنوني في تكلفة الموائد دفع كثيرين للتفكير بشكل تعاوني، كل مجموعة تتكفل بمائدة بعدما كان شخص واحد يتكفل بها".

تكلفة إقامة مائدة الرحمن زادت أضعافا عما قبل ثورة يناير (الجزيرة)

ويكون التعاون من خلال تكفل البعض بشراء البقوليات والخضروات، ويحضر آخرون اللحوم، وهناك من يساهم بتكلفة إقامة السرادق وتوفير أدوات الطهي وتقديم الطعام، حسب ما يقول حسن.

غير أن هناك تعقيدات أخرى غير الغلاء يسردها المشرف على المائدة، ومنها التصاريح التي يجب الحصول عليها من الحي لإقامة السرادق الخاصة بالموائد، وعدم استخراج هذه التصاريح يدخل إطعام الفقراء تحت بند إشغال الطريق الذي يعاقب عليه القانون.

ونتيجة لذلك يلجأ كثير من المحسنين إلى أوجه إنفاق أخرى، فيقول أحد القائمين على توزيع "شنط رمضان" -رفض ذكر اسمه- إنه توقف عن إقامة مائدة الرحمن التي واظب لسنوات على إقامتها أمام بيته بسبب ارتفاع تكاليفها.

وتتكون "شنط رمضان" من السلع التموينية الأساسية مثل الأرز والزيت والسكر والمعكرونة والدقيق إلى جانب التمر.

ويشير إلى سبب آخر أدى لانحسار موائد الإفطار وهو الجمعيات الخيرية والمستشفيات المجانية التي تملأ إعلاناتها الشوارع والتلفاز، مضيفا أن "البعض كان يساهم في الموائد بأن يقدم ألفا أو ألفي جنيه لأي مائدة قريبة منه، أما الآن فكثيرون يتبرعون بهذه المبالغ للمستشفيات الخيرية".

وبحسب رصد المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام (تكامل مصر)، بلغ عدد موائد الرحمن هذا العام 8105 موائد بانخفاض يقترب من الـ70٪ مقارنة برمضان 2012 بواقع 1853 مائدة في القاهرة الكبرى، و3311 مائدة بمحافظات الدلتا والقناة والإسكندرية ومطروح، و2941 مائدة في محافظات الصعيد والوادي الجديد والبحر الأحمر.

الفنانون صامدون
وأمام هذا الغلاء تظل فئة الفنانين هي الأكثر صمودا، فالفنانون الذين اعتادوا إقامة موائد الرحمن مستمرون في ذلك، وأشهرهم الراقصة فيفي عبده التي تقيم مائدتها في حي المهندسين بمحافظة الجيزة، وكذلك منافستها الراقصة دينا التي تقدم مائدة للصائمين وتحرص على الإفطار معهم أكثر من مرة خلال الشهر الكريم.

خلال تجهيز الإفطار لضيوف الرحمن في إحدى الموائد بالقاهرة (الجزيرة)

ومنذ عام 2001 تحرص الممثلة شريهان على إقامة مائدة رحمن في حي الزمالك -وهو أحد أرقى أحياء القاهرة- كما أنها تقيم مائدة أخرى في منطقة المنصورية بمحافظة الجيزة، وعلى نفس طريق الخير يقيم مطربون موائد رحمن، ومنهم المطربتان شيرين عبد الوهاب وروبي.

ويرجع بعض المؤرخين بداية ظهور موائد الرحمن في مصر إلى الدولة الطولونية (868-905) حيث كان أحمد بن طولون صاحب فكرة إقامتها، وطالب الأعيان والتجار بمد موائد لإطعام الفقراء خلال الشهر الفضيل.

لكن مصادر تاريخية تقول إن ظهور موائد الرحمن في مصر اقترن بالدولة الفاطمية (909-1171) حيث ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في تلك الحقبة التاريخية، وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون مخزونا كبيرا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان مثل الكنافة والقطايف وغيرها.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: