بين الجنوب والقصير.. هل تضررت شعبية حزب الله ونفوذه؟

زهير حمداني-الجزيرة نت

بين ذاكرتين، يتأرجح موقع حزب الله في الضمير الجمعي العربي والإسلامي: الذكرى 18 لتحرير الجنوب اللبناني عام ألفين، والذكرى الخامسة لمعركة القصير السورية سنة ؛013، الأولى رفعت أسهمه عاليا، وجعلته الثانية محل خلاف وانتقاد و"شيطنة" أحيانا، لكنهما معا أكدا دوره كقوة إقليمية.

من رحم الحرب اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتفاعلاتها الداخلية والخارجية؛ ظهر حزب الله. كانت "حركة المحرومين" أو أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) الأسبق في النشأة، عن طريق موسى الصدر عام 1974، واستيعاب شيعة لبنان والانخراط في الحرب بتقاطعاتها السياسية والعسكرية محليا وإقليميا ودوليا.

سبق الوجود التنظيمي لحزب الله عام 1982 تكوين بيئة فكرية وعقائدية أسهم فيها الشيخ محمد حسين فضل الله عبر نشاطه العلمي في الجنوب اللبناني، وشكل قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979بقيادة آية الله الخميني دافعا قويا لنشأة الحزب بسبب الارتباط المذهبي والسياسي بين الطرفين.

في حمأة الحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران 1982؛ تشكل الحزب مشاركا في المقاومة العسكرية للاحتلال مع حركات المقاومة الوطنية اللبنانية، ليؤسس بذلك الحزب أيديولوجيته السياسية على أساس مقاومة الاحتلال.

‪حسن نصر الله قال في أحد خطاباته إن حزب الله آخر من تدخل في سوريا‬ (الأوروبية)

إيران والمقاومة والشرعية
في بيان صادر عن الحزب في 16 فبراير/ شباط 1985 قال إنه "ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة".

هذا الارتباط الأيديولوجي والفقهي بإيران ترجم في الدعم السريع والمباشر من الجمهورية الإسلامية وعبر الحرس الثوري. وبدأ الحزب يجد شهرة عربية كتنظيم مقاوم بعد تفجيره مقر القوات الأميركية والفرنسية في أكتوبر/تشرين الأول 1983، وقتل فيهما نحو ثلاثمئة جندي.

في منطلقات الحزب أنه يهتم -كما يقول حسن نصر الله– بمصير ومستقبل لبنان، ويسهم مع بقية القوى السياسية اللبنانية في إقامة مجتمع أكثر عدالة وحرية، ويهدف إلى إقامة دولة إسلامية في لبنان، ويهتم بالقضايا العربية والإسلامية، خاصة القضية الفلسطينية.

ومنذ عام ألفين (ذكرى التحرير) والانسحاب الإسرائيلي من لبنان، أخذ الحزب يركز على وجوده الداخلي، وتأكيد نفسه كحزب سياسي لبناني لكنه مقاوم ومعني بالدفاع عن لبنان. وبعد الانسحاب السوري من لبنان إثر مقتل رفيق الحريري (14 فبراير/شباط  2005) بدأ الحزب وراثة الدور السوري، ويتصدر المشهد الشيعي اللبناني بتشجيع إيراني. ومنحته حرب 2006 وصموده في وجه إسرائيل وتكبيدها خسائر كبيرة بعدا عربيا وإسلاميا كبيرا.

هذه المتغيرات قوّت شوكة حزب الله وجعلته قوة لبنانية وإقليمية لا يستهان بها، فأصدر وثيقة سياسية جديدة عام 2009، جعلته ضمن ما يسمى محور المقاومة ومرتبط بولاية الفقيه حصرا مذهبيا وسياسيا، بهدف محاربة الاستكبار العالمي. في إشارة إلى الولايات المتحدة.

وتحول الحزب بدخوله في الحرب السورية عام 2013 إلى منظمة عسكرية إقليمية مذهبية (عراقية وإيرانية) تقاتل إلى جانب عدة تنظيمات أجنبية تدين بالولاء لولاية الفقيه، كما منحته الحروب الناشبة في الإقليم فرصة للتدخل في العراق واليمن (وهو ما ينفيه دائما) وجعلته تحت طائلة تصنيفه من قبل الجامعة العربية كيانا إرهابيا، إضافة إلى خضوعه لعقوبات أميركية وأوروبية .

‪جيش النظام السوري وقوات حزب الله خلال معارك جرود القلمون الغربي‬ (ناشطون)

الشرخ السوري
بالنسبة لكثير من المحللين والمراقبين، فإن حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله اكتسبا رصيدا شعبيا كبيرا في العالم العربي والإسلامي بمقاومة إسرائيل في لبنان، خاصة في يوليو/تموز 2006 حين تصدى للجيش الإسرائيلي وكبده خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، خاصة ضرب مقولة "الجيش الذي لا يقهر"..

وفي ارتباط الحزب بالمقاومة الفلسطينية واللبنانية والتصدي لإسرائيل، غابت على الصعيد الإعلامي وكذلك في الوعي الشعبي المقاربات الطائفية أو المذهبية لطبيعة دوره، وأضافت حرب 2006 وعملية تبادل الأسرى (2008) بُعدا عربيا وإقليميا كبيرا للحزب رغم العقوبات الأميركية والشكوك الرسمية العربية.

جاءت الحرب السورية لتفضح -وفق المعارضين للحزب- الهوية الحقيقية لحزب الله ودوره؛ فقد عد انخراط  الحزب في الدفاع عن النظام السوري -خاصة مسألة حماية المراقد الشيعية في دمشق– ثم معركة القصير بريف حمص، في يونيو/حزيران 2013 والتي يعتبرها البعض انعطافة في الحرب بعد خسارة المعارضة لها.

تنسب للحزب انتهاكات كثيرة لحقوق المدنيين السوريين والانسياق الكامل مع جيش النظام في عمليات حصار القرى والبلدات والتنكيل بأهلها -في القصير ومضايا– والزبداني -كما تنشر المعارضة-  من أجل إفشال الثورة السورية وضمان بقاء النظام  والوجود الإيراني والشيعي.

وبالنسبة لبعض الباحثين والمحللين، فإن الثورة السورية قد كشفت "حقيقة هذا التنظيم الذي استبدل مقاومة الكيان الصهيوني بمقاومة الشعب السوري في ثورته الساعية إلى إسقاط نظام الطاغية بشار الأسد"، حتى أن الحزب أصبح يسمى "حزب الشيطان"، وحسن نصر الله "حسن نصر الطاغوت".

لا ينفي الكثير من المحللين أن تدخل الحزب في معمعة الحرب السورية ودوره خلالها، قد أخذا الكثير من رصيد الحزب الجماهيري على الصعيدين العربي والإسلامي، وأيقظا الجانب المذهبي والطائفي الذي كان كامنا في فهم طبيعة الحزب ودوره وأهدافه.

فما جرى في هذه الحرب -باعتبارها ثورة شعبية ضد نظام استبدادي- والفظاعات التي ارتكبت فيها؛ وضعا الحزب كحركة مقاومة عربية شعبية وكحزب لبناني في مأزق أخلاقي وانقسم الشارع العربي وتياراته تجاه الحزب، مع شيوع البعد الطائفي في تفسير كل ما يحصل.

ويؤكد الأمين العام للحزب حسن نصرالله أن تدخله في سوريا كان لدرء خطر سيأتي إليه في الضاحية الجنوبية (ممن يسميهم التكفيريين)، في حين يؤكد محللون أن التدخل كان إستراتيجيا لمنع سقوط النظام باعتبار أن دمشق هي الشريان الرئيسي للحزب سياسيا وعسكريا وسقوطها يعني سقوط الحزب آجلا أم عاجلا.

‪مقاتلون في حزب الله خلال معارك عرسال في لبنان‬ مقاتلون في حزب الله خلال معارك عرسال في لبنان

أبعد من سوريا
وبالإضافة إلى علاقته الوطيدة بدمشق، وتخوفه من سقوط النظام، لا يمكن فصل تدخل حزب الله في سوريا عن ارتباطه بولاية الفقيه وإيران، وعن تضخم هواجس طهران بفقدان دورها وطموحاتها بالمنطقة مع بدء الثورة وتزعزع النظام في سنوات الثورة الأولى؛ لتدفع بحزب الله قبل أن تلحق به.

ويمكن القول إن تدخل الحزب في لبنان اتخذ مسارا متدحرجا ارتبط بتطورات الحرب السورية؛ فقد انطلق من الدفاع عن الحدود اللبنانية إلى الدفاع عن مقامات دينية (في دمشق) إلى الدفاع عن شيعة لبنان، إلى الدفاع عن شيعة المنطقة، إلى الدفاع عن إستراتيجية المقاومة في الإقليم، وضمان التواصل بين طهران والضاحية الجنوبية.

ويرى محللون أنه بقطع النظر عن المقاربات الأخلاقية لأفعال حزب الله ودوره في الحرب السورية -التي دفع فيها ثمنا بشريا مكلفا- فإنه بعد سبع سنوات من الحرب نجح في مهمة الحيلولة دون سقوط النظام، بل وإسناده مع إيران وروسيا ومليشيات مختلفة، في استرجاع معظم الأراضي التي خسرها لصالح المعارضة، بالإضافة إلى أراض لبنانية في عرسال.

ورغم الانتقادات الواسعة التي طالته في لبنان، فإن الانتخابات البرلمانية الأخيرة أكدت زيادة حضور حزب الله في المشهد البرلماني السياسي اللبناني، وعدم تأثره بما جرى في سوريا، أو حتى إقليميا بعد قضية احتجاز رئيس الوزراء سعد الحريري في السعودية.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست بعد حادثة الحريري (عدد 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017) إلى أن حزب الله عزز وضعه كقوة إقليمية في المنطقة، وأصبح قوة عابرة للحدود من خلال تمدد قواته العسكرية إلى خارج الحدود اللبنانية، ورأت الصحيفة أنه اكتسب خبرة عسكرية كبيرة من تجربة الحرب في جبهات سوريا.

ويجد الحزب نفسه حاليا داخل صراعات إقليمية -ينفي دائما ضلوعه فيها- سواء الاتهامات المغربية الأخيرة بمساعدة البوليساريو، أو اتهام السعودية له بمساعد الحوثيين في اليمن بالسلاح والتدريب والمقاتلين، وواشنطن بتوتير الأوضاع في المنطقة، بما يشير إلى أن تأثيره صار أبعد من الساحة اللبنانية.

ويرى الباحث بمركز "كاتيخون" الفرنسي اللبناني صادق النابلسي أن الميزات الجيوسياسية التي يتمتع بها حزب الله بحكم تواجده على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وفي سوريا وعلى حدودها الشرقية، وحجم تأثيره في المعادلة السياسية اللبنانية، وحضوره في العراق، وعلاقته بإيران؛ وسعت قاعدته الجيوبوليتيكية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في شوارع العاصمة بيروت كان ثمة منتصرون ومهزومون، وغُطيَ تمثال رفيق الحريري البرونزي بعلم حزب الله؛ لكن الأمر تجاوز الحسابات الداخلية إلى اصطفافات قوى الإقليم خاصة السعودية وإيران والإمارات ومصر.

8/5/2018

تصاعد التوتر بشكل مفاجئ أمس الخميس بين إيران وإسرائيل بعد تبادل الطرفين هجمات صاروخية عبر الحدود السورية الإسرائيلية، لكن ما حجم الوجود الإيراني الفعلي في سوريا، وإلى أين تتجه الأمور؟

11/5/2018

قبل خمسة أيام، التقى الرئيس الروسي نظيره السوري في سوتشي، وأكد أن سحب القوات الأجنبية من سوريا سيبدأ، مما طرح تساؤلات بشأن هذه القوات وموقف موسكو من طهران.

22/5/2018
المزيد من تقارير وحوارات
الأكثر قراءة