التكافل سلاح السودانيين ضد الغلاء

نموذج للإفطارات الجماعية بالسودان خلال شهر رمضان (الجزيرة)
نموذج للإفطارات الجماعية بالسودان خلال شهر رمضان (الجزيرة)

عماد عبد الهادي-الخرطوم


لم تترك الأزمة التي تضرب الاقتصاد السوداني حاليا بيتا في البلد متوسطا أو فقيرا إلا وتركت فيه أثرا للمعاناة. لكن هذه الأزمة فشلت في التأثير على طبيعة الشعب السوداني التكافلية التي تظهر جليا في شهر رمضان المبارك.

الطرقات والساحات في المدن والأرياف السودانية تعج بتجمعات الأسر كبيرها وصغيرها، لافتراش الأرض لأجل الإفطارات الجماعية ودعوة الناس بل إجبار المارة على الافطار أينما وجدوا تجمعا. ورغم ارتفاع أسعار المواد الغذائية ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل حلول الشهر الفضيل، لا يتوانى السودانيون عن التسابق نحو التكافل، وأن يجود كل واحد بما لديه قليلا كان أو كثيرا.

مساواة وكرامة
في حي القماير بمدينة أم درمان اختار السكان أن يتشاركوا كل المواد الغذائية إلى جانب الإفطارات الجماعية في الطرقات. ويتسابق شباب الحي في مبادرة هي الأولى من نوعها لجمع كافة مستلزمات الشهر الفضيل لتوزيعها على ساكني الحي دون تمييز، حتى لا يتأثر الفقراء والمساكين نفسيا.

الإفطارات الجماعية موروث ثقافي واجتماعي بالسودان (الجزيرة)

وبلهجة ملؤها الفرح، يقول الشاب إسماعيل أحمد إبراهيم إن الأزمة الاقتصادية خلقت مآسي كثيرة، ودفعت بعض الأسر للانزواء لعدم استطاعتها شراء كل مستلزمات شهر رمضان، أو حتى المواد الغذائية اليومية.

ويضيف أنه بدلا من توزيع المواد الغذائية على الفقراء والمساكين- وهم كثر- نحاول جمعها ثم توزيعها على كل الأسر بالتساوي، حتى لا يشعر أحد بأنه أدني من الآخرين.

وكان سكان الحي من قبل يوزعون مستلزمات الشهر الكريم على المعدمين فقط ويراعون نفسية الإنسان السوداني الأبية وكرامته مهما كانت حاجته حسب تعبير إسماعيل، الذي يقول للجزيرة نت إن الأسرة الآن تعاني لأجل توفير السلع الاستهلاكية اليومية بعد ارتفاع أسعارها بصورة لم يشهدها السودان من قبل.

ويوضح إسماعيل أن سعر كيس السكر الذي يزن 50 كيلوغراما -وهو منتج محلي- بلغ 1550 جينها سودانيا (ما يعادل 65 دولارا أميركيا).

بعض المواد الغذائية التي وزعها سكان حي القماير بمدينة أم درمان في شهر رمضان الحالي (الجزيرة)

أستاذ الاقتصاد بجامعة بحري عبد العظيم المهل يؤكد أن تأثير الأزمة الاقتصادية مباشر على كافة القطاعات "دون أن يكون ظاهرا بتكافل المجتمع السوداني بصورة مباشرة، رغم تأثيرها على اقتصاديات الأسرة بشكل أكبر".

ويرى المهل أن الأسرة في الوقت الراهن لا تستطيع تغطية جميع حاجاتها اليومية "ما دفع بعضها لتحديد أولويات حتى على مستوى الحاجات الأساسية، تماشيا مع الظروف الجديدة التي خلفتها عملية انهيار الجنيه وارتفاع الأسعار".

موروث ثقافي
ويمثل التكافل بين الأسر السودانية المعين الذي لا ينضب "كون الأمر عادة وموروث ثقافي لا يمكن التخلي عنه لأي سبب مهما كانت قسوة الحياة" كما يقول مبشر بلة الصديق. ويقول للجزيرة نت إن المجتمع السوداني نفسه قام على البناء التكافلي "وبالتالي لا يمكن التخلي عن هذه الميزة التي أصبحت من الواجبات المهمة بين السودانيين".

وفي السياق نفسه، لا تجد الباحثة الاجتماعية حنان إبراهيم غير موروث الشعب السوداني لتبرر به صبره على الضائقة المعيشية، ومحافظته في الوقت ذاته على روح التكافل التي تميزه عن غيره من شعوب المنطقة.

فرحة رمضان بالسودان أفسدها غلاء وتضارب بالأسعار وغياب الرقابة (الجزيرة)

وتقول حنان للجزيرة نت إن كل الضغوط الاقتصادية لم تدفع الشعب السوداني لانتهاج أسلوب مغاير لحياته العادية بما فيها التكافل الذي أصبح ثقافة متجذرة، حيث لم تهزمه الضائقة الاقتصادية المريرة في هذه الأيام "خاصة في رمضان الذي لا مجال فيه لتذكر أية ضائقة".

وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق السودانية تزامنا مع تطبيق موازنة 2018، التي أقرت زيادة سعر الدولار الرسمي والجمركي إلى 18 جنيها، مقابل 6.9 جنيهات في الموازنة السابقة.

ويعتمد السودان في استهلاكه على الواردات التي تبلغ نحو 6.8 مليارات دولار في ظل معاناة الدولة من شح في النقد الأجنبي، وسياسات اقتصادية لم تجد الحلول الناجعة لأزمات الاقتصاد السوداني الذي ظل يتدحرج بشكل يومي نحو الهاوية وفق خبراء اقتصاديين.

المصدر : الجزيرة