نجيب يخلف أنور على "مقصلة" مهاتير

نجيب عبد الرزاق يواجه سلسلة من التهم بعد خسارته رئاسة الوزراء عبر صندوق الاقتراع  (رويترز)
نجيب عبد الرزاق يواجه سلسلة من التهم بعد خسارته رئاسة الوزراء عبر صندوق الاقتراع (رويترز)

قرابة 12 ساعة من الاقتراع يوم 9 مايو/أيار الجاري كانت كفيلة أن تقلب حياة نجيب عبد الرزاق رأسا على عقب، وتنقله من رئيس وزراء مطلق اليد في الحكم إلى ملاحَق بسيل من الاتهامات والمحاكمات، في مشهد يعيد إلى الأذهان قصة أنور إبراهيم حين قادته لعبة السياسة ومكائدها من نائب لرئيس الوزراء إلى مسجون بأبشع التهم الأخلاقية؛ والمتحكم باللعبة في الحالتين واحد: رئيس الوزراء العائد إلى السلطة مهاتير محمد.

الاتهامات الموجهة إلى نجيب سبقت عودة مهاتير إلى الحكم بعد فوز تحالفه "الأمل" في الانتخابات الأخيرة، إلا أن السياسي العجوز الذي خاض غمار الانتخابات ومعاناتها لإسقاط نجيب، باشر بتولي ملف فساد نجيب بحماس شديد من الساعة الأولى لفوزه، حتى قبل تشكيله حكومته، بما يوحي بنيته تصفية حسابات سابقة مع نجيب عبر القانون والمحاكم، كما فعل مع أنور إبراهيم.

ورغم أن الاتهامات لم توجه رسميا لنجيب بعد، فإن قائمة الشبهات التي تلاحقه منذ مدة تزيد من أزماته، وتعقد موقفه أكثر في معركته مع مهاتير العائد إلى سدة الحكم.

يواجه نجيب عبد الرزاق تهمتين سابقتين بالفساد يجري التحقيق فيهما، وهما: نهب نجيب ومقربين منه 4.5 مليارات دولار من أموال الصندوق السيادي للتنمية بين عامي 2009 و2014، والذي أسسه بعيد توليه السلطة عام 2009، وهو الآن يعاني من دين يبلغ 12 مليار دولار.

وبحسب وزارة العدل الأميركية فإن المبالغ المنهوبة تم غسيلها في الولايات المتحدة وسنغافورة وسويسرا ودول أخرى، ودخلت مئات الملايين من هذه المبالغ في حساب نجيب الشخصي، وهو ما ينفيه رئيس الوزراء السابق بالطبع.

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن وزارة العدل الأميركية قولها إن الأموال تم غسيلها في نوادي القمار في لاس فيغاس، وشراء فنادق وشقق ويخت فاخر وطائرة خاصة ومجوهرات وأعمال فنية وتمويل أفلام في هوليود.



 

والتهمة الثانية هي تلقي نجيب ومقربين منه رشى بقيمة 134 مليون دولار في صفقة شراء ماليزيا غواصات فرنسية بقيمة 1.1 مليار دولار عام 2002، حين كان نجيب وزيرا للدفاع في حكومة مهاتير محمد.

وهذه القضية فجّرت قضية أخرى مرتبطة بها وإن كانت قديمة وتم طي ملفاتها في القضاء الماليزي، وهي قضية مقتل مواطنة منغولية في ماليزيا عام 2006، وكانت المحكمة قضت بإعدام متهمين اثنين هما رجلا شرطة، أحدهما "سير الأزهر عمر" الذي فرّ إلى أستراليا عام 2015 ولا يزال في مركز احتجاز المهاجرين، وقال عمر أمس لموقع إخباري ماليزي إن من أمر بقتل المنغولية حرٌّ طليق، وإنه مستعد للشهادة وكشف المتورطين الحقيقيين مقابل العفو عنه.

المنغولية شاريبو ألتنتويا (28 عاما حين قتلت) كانت عشيقة صديق نجيب المقرب "عبد الرزاق باغندا"، وهو محلل عسكري في مركز الدراسات الإستراتيجية الماليزي. وتذكر مصادر صحفية ماليزية أن نجيب هو من عرفها على عبد الرزاق في معرض للمجوهرات في هونغ كونغ، ونشأت بينهما علاقة، وكانت ضمن فريق التفاوض في باريس بشأن صفقة الغواصات، وعندما علمت بالعمولة التي تقاضاها نجيب وعبد الرزاق طلبت مبلغ نصف مليون دولار مقابل صمتها.

ولاحقا تم قتل الشابة في منطقة شاه عليم قرب كوالالمبور وتفجير جثتها بمادة "سي 4" الشديدة الانفجار، واستمرت التحقيقات في القضية وحكم القضاء عام 2015 بإعدام شرطيين من حرس نجيب متورطين في الحادثة.

القضية عادت إلى السطح بعد أن أرسل الرئيس المنغولي "باتولغا خالتما" رسالة إلى مهاتير محمد، هنأه فيها بتوليه السلطة وطالبه بإحقاق العدالة في قضية مواطنته الشابة الأم لطفلين.

ومن المفترض أن يقدم نجيب عبد الرزاق شهادته يوم الثلاثاء القادم أمام لجنة التحقيق في قضايا الفساد، وقد يعاد فتح التحقيق في قضية الشابة المنغولية، وهو ما يضيق خيارات النجاة أمامه.

لكن -وفي إطار الرد بالمثل- طالب نجيب بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وقصد محاكمة مهاتير على تلقيه هدايا من أصدقاء هي عبارة عن أربعين حصانا. وهو ما كان مهاتير اعترف به في حديث مع قناة "سي أن أن" الأميركية قبل عامين، بحسب ما ذكرت صحيفة "ستريت تايمز".



 

حملات مداهمة منازل نجيب قادت إلى مصادرة 284 صندوقا من حقائب اليد الفاخرة، و72 حقيبة من الأموال النقدية، والمجوهرات والساعات التي تعود لنجيب وزوجته روسمة منصور، كجزء من التحقيقات في قضية الصندوق السيادي. إلا أن نجيب وزوجته استنكرا مصادرة ملابس وأحذية أبنائهما في حملات المداهمة هذه.

وهنا تستعيد صحيفة غارديان من التاريخ القريب حادثة إقالة أنور إبراهيم عام 1998 من منصبه نائبا لرئيس الوزراء، إذ طلب منه مغادرة سكنه الحكومي فورا، وعندما طلب بضعة أيام للانتقال بأبنائه الصغار، أمر مهاتير بقطع الكهرباء والماء عن المنزل.

من جانبها قالت نور العزة ابنة أنور إبراهيم في تغريدة على تويتر "باعتبارنا ضحايا سابقين لمداهمات الشرطة في الفجر، يجب أن أشدد على رفضي نهب أي منزل في تلك الساعة". ورغم تسامح أنور مع مهاتير وقبوله التحالف معه في الانتخابات الأخيرة، فإن أبناء أنور لا يزالون يرفضون تجاوز ما حصل مع والدهم.

ونقلت الغارديان عن أنور قوله "لا يزالوا غير متفهمين لقبولي اللقاء بالرجل الذي جعل حياتهم عذابا على مدى سنوات طويلة. فهم لا يتفقون معي، وقالوا لي: كان يجب ألا تضع يدك في يد مهاتير، فأنت عانيت ونحن عانينا بسببه".

يربط مراقبون ما يجري اليوم مع نجيب عبد الرزاق بما حصل مع أنور إبراهيم، الذي سجن على يد مهاتير عام 1999 وعلى يد نجيب عام 2015 بالتهمة الأخلاقية نفسها، وهو ما قال عنه أنور متحدثا إلى نجيب "لقد أسأت تسخير القانون لسجني للمرة الثانية".

وقد عبر رسام كاريكاتير عن العلاقات بين السياسيين في ماليزيا بشكل دقيق، حيث تظهر خارطة المساعدة على الارتقاء في المناصب حينا، والإسقاط منها حينا آخر؛ وهو ما يصعب فهمه في سياق التحالفات السياسية.

المصدر : الجزيرة