وثائق وصواريخ.. نتنياهو يسخّن الجبهات ضد إيران

نتنياهو قال إن إيران تواصل مشروعها النووي بعدما نقلته إلى مكان سري (الأوروبية)
نتنياهو قال إن إيران تواصل مشروعها النووي بعدما نقلته إلى مكان سري (الأوروبية)

زهير حمداني

بين الميداني والسياسي تكثف إسرائيل من ضغوطها على إيران قبيل إعلان أميركي مرتقب حول الاتفاق النووي معها. وتعمل تل أبيب على تسخين كل الجبهات لتضع طهران أمام تحديات غير مسبوقة، والمنطقة على أبواب انفجار ما زالت تحكمه بعض التوازنات.

وبعيد عملية عسكرية استهدفت قوات إيرانية في سوريا مساء أمس الاثنين، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إيران "كذبت" على الغرب بشأن برنامجها النووي، وإن لدى إسرائيل أكثر من خمسة آلاف وثيقة تثبت أنها تواصل برنامجها النووي، ونقلت العمل النووي إلى موقع سري، على حد قوله.

عرض نتنياهو حقق الهدف الأساسي منه، إذ تبنى البيت الأبيض الرواية الإسرائيلية، مؤكدا بدوره أن لدى إيران برنامجا سريا كاملا لتطوير أسلحة نووية تخفيه عن العالم، بينما قال وزير الخارجية مايك بومبيو إن أدلة إسرائيل "دامغة".

وما اعتبرته إسرائيل حقائق عن البرنامج النووي الإيراني فندته طهران بشدة، واعتبرت كلام نتنياهو "لعبة طفولية مثيرة للسخرية" هدفها التأثير على قرار ترامب حول الاتفاق النووي، بينما كان رد فعل الاتحاد الأوروبي وروسيا محبطا لتل أبيب.

ضغوط ومخاطرة
وتماهت الصحافة الأميركية مع العرض الذي قدمه نتنياهو، حيث ذكرت وول ستريت جورنال أن  الاتفاق النووي الذي وقعه الغرب مع إيران سمح  لها بتمويل جهدها العسكري وحربها في سوريا، مشيرة إلى أن شبح الحرب اقترب بين طهران وتل أبيب بعد أحداث الاثنين.

من جهتها، أشارت صحيفة واشنطن تايمز في تقرير لها إلى أن الاتفاق النووي من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية الست أصبحت رائحته "مثل الأسماك الفاسدة، وهو الآن ينتن حقا"، وأكدت أن ما ذكره نتنياهو هو تماما ما يحتاجه ترامب لإنهاء الاتفاق "الذي ابتلع خلاله الرئيس باراك أوباما الكثير من الأكاذيب من الملالي".

من جانبها أشارت صحيفة واشنطن بوست -في مقال للكاتب ويسلي برودن- إلى أن الاتفاق النووي مع إيران بدأ يتداعى، خاصة بعد التأييد الأميركي لما طرحته إسرائيل من معلومات، في انتظار اقتناع الدول الغربية الست الأخرى بها.

وفي حربها السرية ضد إيران، تراوح إسرائيل بين العسكري والسياسي والاستخباراتي، وأشارت معلومات إلى قصفها الاثنين مخازن ومواقع عسكرية بسوريا يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني بموقع جبل 47 جنوب شرق حماة ومواقع أخرى بحلب، قتل فيها 18عسكريا إيرانيا وفق وكالة "إسنا".

وكانت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قد نقلت عن مصادر وصفتها بأنها مطلعة أن نحو مئتي صاروخ خاصة من نوع أرض-أرض دُمرت في الهجوم الذي ضرب ريف حماة، وهو ما يفسر الانفجارات الهائلة التي وقعت وفق تقديرها.

وشنت إسرائيل عدة غارات على أهداف في سوريا خلال الفترة الأخيرة انطلاقا من الأجواء اللبنانية، آخرها يوم 9 أبريل/نيسان الماضي على قاعدة التيفور شرقي حمص، وقتل فيها عدد من الضباط الإيرانيين ودمرت فيها طائرات "درون" إيرانية وفق الرواية الإسرائيلية.

القصف الإسرائيلي الجديد الذي استهدف التواجد الإيراني في سوريا يأتي بعد تهديد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني بالرد "الحتمي" على إسرائيل، وهو ما يعني بالنسبة للكثير من المحللين أن إسرائيل ماضية في تنفيذ إستراتيجيتها بمنع إيران من تثبيت وجودها أو "التمركز" في سوريا.

قوات إسرائيلية قرب قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل (الأوروبية)

هل تندلع الحرب؟
هذا الهجوم -مع ما زعمته إسرائيل عن عدم التزام طهران بالاتفاق النووي- سيكون وفق المتابعين اختبارا قويا للأعصاب الإيرانية، في إطار ما ذكرته عن "الرد الحتمي"، وقد وضع طهران أمام خيارات قد تطيح  نظرية الأعصاب الهادئة التي تعتمدها تجاه تل أبيب.

وكانت إسرائيل قد أغلقت أجواءها على حدودها مع سوريا وفي سماء مرتفعات الجولان المحتل بعد الغارات، وسط تأهب لجيشها، بينما صادق الكنيست على قانون يخول رئيس الوزراء ووزير الدفاع وحدهما إعلان الحرب.

ويقرأ محللون كل هذه الأحداث على أنها قرع لطبول الحرب، لكن خبراء عسكريين يعتبرونها ضمن تصعيد الضغوط و"المخاطرة المحسوبة"، وعملية استفزاز وتحدّ لإيران قبيل موعد 12 مايو/أيار الجاري لجرها إلى ردّ يعزز التوجه لإسقاط الاتفاق النووي من قبل واشنطن والدول الغربية الأخرى.
 
التركيز الإسرائيلي ينصب حاليا -وفق محللين إسرائيليين- على تكثيف الضغوط على إيران في مختلف الجبهات دون تورط في حرب كبرى، والعمل على "تدمير" اتفاقها النووي مع الغرب كليا لإعادتها إلى المربع الأول، وانتظار أن تتكفل الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة بإسقاط النظام.
خطوط حمراء كثيرة تتبناها إيران وإسرائيل ضمنيا -حتى الآن- لتجنب حرب مباشرة وشاملة، لتبقى المواجهة مبدئيا في دائرة المعارك المحدودة القابلة للضبط وميدانها الأساسي سوريا

من جانب آخر، فإن طهران محكومة بالظروف السياسية والعسكرية، ولا تسعى للتورط في معارك أو حرب قبل معرفة مصير الاتفاق النووي الذي وقعته مع الغرب عام 2015 وموقف واشنطن منه. ويمكن إذا فقدت رهانها على الاتفاق، أن يكون التوجه أكثر نحو حرب شاملة أو محدودة تخلط جميع الأوراق.

وأشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في تقرير لها إلى أنه رغم التهديدات الإيرانية المتكررة بالانتقام من الغارات الإسرائيلية فإنه يتم تأجيلها، مما يشير إلى وعي القيادة الإيرانية مع مرور الوقت بالعواقب المعقدة المحتملة لأي عمل متهور على حد تعبيرها، ما دام الأمل يحدوها لتحسين علاقاتها مع الغرب.

ومع تزعزع جبهتها الداخلية في الفترة الأخيرة (التحركات الاحتجاجية)، تتخوف إيران من أن مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ستكون فرصة أمام واشنطن للتدخل ضدها عسكريا وتقويض مكاسبها في سوريا والمنطقة. في المقابل تتجنب إسرائيل الحرب بسبب ظروفها الداخلية أيضا والأزمات السياسية فيها، والتخوف من إمكانية تعدد جبهات هذه الحرب (سوريا ولبنان وربما غزة) وتكلفتها الباهظة ماديا وبشريا.

وإضافة إلى رفض أوروبا وروسيا ودول أخرى حربا كبرى في الشرق الأوسط، يذهب متابعون إلى أن خطوطا حمراء كثيرة يتبناها -حتى الآن- الجانبان الإيراني والإسرائيلي ضمنيا لتجنب حرب مباشرة وشاملة، لتبقى المواجهة مبدئيا في دائرة المعارك المحدودة القابلة للضبط وميدانها الأساسي سوريا.

وإذا كان نتنياهو قد وفر الظروف للتصعيد مع إيران، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكسر بإلغائه الاتفاق النووي مع إيران كل تلك الخطوط الحمراء ويفاقم التوتر، ليكون موعد 12 مايو/أيار الجاري له ما بعده في إيران وإسرائيل والمنطقة.

المصدر : الجزيرة