سيوة المصرية.. خمسة آلاف عام من العزلة الأسطورية

قلعة شالي بيوتها من الملح ونوافذها من الطبيعة (الجزيرة نت)
قلعة شالي بيوتها من الملح ونوافذها من الطبيعة (الجزيرة نت)

عبد الله حامد-القاهرة

تعد واحة سيوة غرب مصر نمطاً فريداً بطابع فلكلوري أسطوري، جعلها جاذبة للسياحة المحلية والأجنبية، ورغم عزلتها التاريخية تفتح الواحة قلبها للغرباء.

ويتهلل وجه الواحة النضر من بعيد كجزيرة خضراء في بحر الرمال العظيم، وتلتحف بعزلتها التاريخية لسانا وأصلا، لكنها ما تفتأ تكشف للغرباء عن أسرارها وأساطيرها الموغلة في تاريخ عمره خمسة آلاف عام.

ومنذ أسابيع في الواحة التي يسكنها 35 ألفا معظمهم من الأمازيغ، نفض معبد روماني قديم الغبار عن جدرانه، ليخبر خبراء الآثار عن شغف أهل روما بالواحة لآلاف السنين حتى اليوم.

وتستقبل الواحة مثل عدد سكانها من السائحين، وكثير منهم إيطاليون، يزورونها للاستجمام والعلاج.
وتتعدد التفسيرات لاسم سيوة، والأقرب ما ذكره ابن خلدون باسم "تنيسوة" بينما سماها الروائي بهاء طاهر واحة الغروب في روايته التي حملت نفس الاسم، وتحولت لمسلسل تليفزيوني مؤخرا، حكى قصة ضابط نُفى إليها وفجر معبدها الفرعوني.

وتتبع سيوة إداريا محافظة مطروح شمالا، وتبعد عنها بنحو 300 كيلومتر، وعن القاهرة العاصمة بنحو 800 كيلومتر.

نادرا ما تخرج المرأة بمفردها (الجزيرة نت)

رحلة شاقة
رحلة مرهقة وشاقة، تفسر كيف ظلت الواحة عصية على الغرباء والغزاة، وتزداد صعوبة الرحلة بنقاط التفتيش المتعددة والدقيقة، بعد ما صارت الصحراء الغربية ساحة صراع بين مسلحين والنظام المصري.

تستقبل الواحة الزائرين بأشجار الزيتون والنخيل، لذا تحتفي منظمة الفاو بثمار الواحة، واختارت طريقة إنتاج التمور في سيوة كنظام تراث زراعي عالمي، وتنظم في العاصمة الإيطالية روما حفلا لهذا الغرض خلال أيام.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، يرتدي أهل سيوة أجمل ما عندهم احتفالا بعيدهم الخاص "عيد الحصاد" عند اكتمال القمر بالسماء، ويتجمعون بالطعام والشاي والقهوة عند جبل الدكروري الذي اصطلح عنده الأجداد بعد حروب.

طارق علي المنتمي لقبيلة الحميدات له أرض مزروعة بالنخيل، يشكو من أن "استمرار الزراعة بالواحة مهدد بارتفاع منسوب مياه الصرف الزراعي وتملح الأرض".

يجري ذلك رغم أن سيوة رابضة على مخزون ضخم من المياه الجوفية، يغذي عيونها بأعذب المياه وأعجبها، ما بين الساخن لدرجة حرارة تصل للأربعين، والبارد برودة الثلج، بغير اعتبار لما عليه الطقس نفسه.

الإيطاليون يشكلون نسبة كبيرة من زائري الواحة (الجزيرة نت)

بحيرة مالحة
ويعمل بكر عثمان في ناد صغير للاستجمام قرب بحيرة مالحة تحيط من ثلاث جهات بعين فطناس العذبة التي تتوسط أشجار النخيل والزيتون. أما المياه المنصرفة من الزراعات فتتجمع في بحيرات واسعة شديدة الملوحة، تنتشر إلى جوارها ملاحات ومحاجر للملح الممتاز المستخدم في أغراض عدة.

يذكر بكر أن الرمال تصير تحت سياط أشعة الشمس نارا تتبخر فيها متاعب المفاصل بأجساد القادمين للاندفان فيها في قيظ شهور الصيف. وإذا تشبعت رمال سيوة بالماء والملح صارت صلبة كالإسمنت، صالحة لبناء بيوت الواحة.

ويشير إبراهيم حميد إلى بعض المنازل الحديثة، منتقدا استسهال بعض سكان الواحة حالياً للبناء بالطوب الإسمنت بديلا للطوب الرملي الملحي.

وتدليلا على صلابة بيوت أجداده، يدق ابراهيم بيده بقوة على ما تبقى من جدران قلعة شالي التي صمدت أمام عوائد الدهر حتى اليوم، رغم أن أجداده هجروها عقب سيول دمرت جانبا منها منذ أقل من قرن.

وبيوت شالي متراصة متقابلة وكأنها كهوف، وأبوابها ونوافذها مصنوعة من أخشاب شجر الزيتون والنخيل، ويتوسط القلعة مسجد كبير لا تزال تقام فيه الصلاة.

منتجات الواحة من الملح يتم تصنيعها بشكل مبتكر كقناديل تبدد الطاقة السلبية (الجزيرة نت)

قلعة الواحة
وتطل القلعة على الواحة رمزا لصلابتها العابرة للقرون، كالأم تنظر بعين الرعاية من عل لأبنائها وهم يكافحون للعيش، بالأسفل تتجاور محلات لبيع منتجات أهالي الواحة مما تتفرد به من سجاجيد وملابس مطرزة بشكل فريد.

ويجد الزائر مشكلة في فهم كبار السن الذين لا يتكلمون سوى الأمازيغية، بينما الشباب تعلموا العربية ويستخدمونها. أما نساء الواحة فلا تراهن إلا منتقبات بالطرفوط، وهي ملاءة زرقاء مطرزة، وتتنقل في الواحة على "عربة الكازوزة" المصنوعة من الصاج على أربع عجلات تجرها دراجة بخارية.

ويتوزع السكان على عدة قبائل منها الظناين، الجواسيس، اللحميدات، ولكل قبيلة شيخها الذي يلجأ سكان الواحة إليه لحل نزاعاتهم عرفيا.

ويحدد محمود عبد الله صعوبات الزواج لا في التكاليف كما في الحضر، ولكن في التقاليد الصارمة، وتحتفظ سيوة بمراسم زواج فلكلورية عتيقة، إذ ظلت احتفالات عرس محمود لثلاثة أيام، تحضرت فيها عروسه بغمر شعرها بزيت الزيتون والحناء، مع تضفيره بتسعة وتسعين ضفيرة، بعدد أسماء الله الحسنى.

وتحتفظ سيوة بآثار كل من جاؤوها، إذ يحتضن جبل الموتى رفات غزاة محليين وأوربيين. وبالنظر في عين كليوباترا العتيقة الدافئة يمكن قراءة سطور أسطورة تقول إن الملكة نزلت تستحم بهذه العين الكبريتية.

ولا تنتهي الأساطير في الواحة، فبالقرب هلك جيش قمبيز الفارسي الذي استهدف معبد آمون في الواحة بالهدم، لأن كهانه تنبؤوا بقرب هلاك قمبيز.

ولاتزال بقايا المعبد هنالك، رغم قيام مأمور الواحة منذ 120 عاما بتدميره، ويعد أعلى نقطة ترى منها الواحة كلها تفترش الصحراء خضراء وادعة كأهلها، تستقبل الآتين بسلام دون أن تمكنهم منها، ثم تودعهم محملين بخيراتها.

المصدر : الجزيرة