ساسة لبنان والانتخابات.. توريث رغم أنف النسبية

ساسة لبنان والانتخابات.. توريث رغم أنف النسبية

التغيير في بنية البرلمان المقبل مستبعد (الجزيرة نت-أرشيف)
التغيير في بنية البرلمان المقبل مستبعد (الجزيرة نت-أرشيف)


وسيم الزهيري-بيروت

تشكل الوراثة السياسية أحد الأركان التاريخية التي يقوم عليها النظام في لبنان، حتى بات هذا البلد الصغير يعتبر نموذجا في انتقال الزعامة من الأجداد والآباء إلى الأبناء والأحفاد والأقارب. ويمكن القول إن بعض البيوت السياسية عملت على مجاراة التطور المجتمعي وأسست اعتبارا من القرن الماضي أحزابا وتيارات، لكنها أبقتها تحت الرعاية العائلية.

وبعد إعلان الانتداب الفرنسي قيام دولة لبنان الكبير عام 1920 ودخول البلاد تجربة الانتخابات البرلمانية، تكرس دور العائلات السياسية وخاضت غمار المنافسة على المقاعد النيابية، بحيث استطاع عدد منها الحصول على تجديد المبايعة الشعبية.

يتهيأ لبنان اليوم لإجراء أول انتخابات برلمانية يعتمد فيها النظام النسبي بعدما كان يتم انتخاب أعضاء البرلمان على أساس نظام الأكثرية. ولا شك في أن الطبقة السياسية والأحزاب الفاعلة لعبت الدور الأساسي في رسم ملامح القانون الحالي بما يناسب مصالحها.

ولم يكن مستغربا لجوء عدد من الشخصيات والبيوت السياسية التقليدية إلى ترشيح أحد أفراد العائلة أو الأنسباء لخوض الاستحقاق النيابي المقبل، في حين تسجل حالات تنافس بين أفراد العائلة الواحدة على لوائح متقابلة.

التوريث والطائفة
تقول أستاذة العلوم السياسية الدكتورة فاديا كيوان إن تكريس التوريث السياسي يتم من خلال الخدمات المتنوعة التي تقدمها المذاهب والأحزاب بعدما أصبحت أداة بأيدي العائلات.

ولفتت كيوان في حديث للجزيرة نت إلى أن النظام اللبناني لا ينص على الوراثة في الأحزاب أو في المقاعد النيابية والوزارية، بل إن هذا النوع من الوراثة مرتبط بالهيمنة الطائفية والمذهبية.

وحول حضور الوراثة السياسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، قالت كيوان إن هذا الاستحقاق سيعيشه الشعب اللبناني بمرارة، لكنه سيأخذ العبر مع نهايته لأنه سيشكل صدمة لكون التبديل سيقتصر داخل الأسرة الواحدة، لا سيما مع وجود نحو عشرين شخصا رشحوا أبناءهم وأنسباءهم بدلا عنهم، مما سيعيق أي تغيير في الأداء بحسب تعبيرها.

ورأت كيوان أن هناك مزاجا تغييرا لكنه بحاجة إلى وقت ليتبلور، مشيرة إلى أن التغيير البسيط الذي يمكن أن يحدث هو الاختراقات من جانب لوائح المجتمع المدني المعبرة عن حالة اعتراضية على الأداء السائد وطريقة انتقال السلطة ضمن العائلة من جيل إلى جيل.

عدد كبير من المرشحين للانتخابات ينتمون للعائلات السياسية التقليدية (الجزيرة)

صمام أمان
الكثيرمن العائلات اللبنانية حافظت على حضورها السياسي والبرلماني منذ عشرات السنين، مثل: آل الجميّل، فرنجية، جنبلاط، شمعون، سلام، كرامي، أرسلان، سكاف، وغيرهم ممن شكلوا نموذجا في توريث الزعامة والمقاعد النيابية ضمن العائلة، بينما اتسعت ظاهرة التوريث في العقود الأخيرة لتطال بيوتا وشخصيات سياسية جديدة عمدوا إلى إحلال أبنائهم وأنسبائهم في مكانهم.

ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت الدكتور عماد سلامة أن تجليات الوراثة السياسية ستكون حاضرة بقوة في الانتخابات النيابية المقبلة، لكون بنية النظام اللبناني تدعم الوراثة وترسخ حضورها. وتوقع إعادة انتخاب وجوه قديمة جديدة من البيوت السياسية التقليدية غابت عن الندوة البرلمانية لظروف معينة، أو بسبب شكل قانون الانتخاب السابق.

وقال سلامة في حديث للجزيرة نت إن من أسباب وجود العائلات السياسية وقدرتها على جذب الناخبين سعي الجماعات الطائفية اللبنانية باستمرار لإيجاد زعماء معروفين يشكلون صمام أمان للجماعة وضمانة لحمايتها، علما بأن بيوتا سياسية جديدة أكدت حضورها في مراحل معينة مثل عائلة الحريري وعون وسعد وغيرها.

رغم الانتقادات التي تطال مبدأ التوريث السياسي اللبناني فإن هذه الظاهرة حافظت باستمرار على حضورها بما يؤكد تجذر هذه الظاهرة وصعوبة تجاوزها في الحياة السياسية المحكومة بالتوازنات الطائفية الدقيقة.

المصدر : الجزيرة