الكلباني يروج للبلوت.. مشايخ السعودية ينقلبون على ابن باز

أثارت مشاركة الكلباني في افتتاح بطولة البلوت ردودا غاضبة في وسائل التواصل الاجتماعي (الجزيرة)
أثارت مشاركة الكلباني في افتتاح بطولة البلوت ردودا غاضبة في وسائل التواصل الاجتماعي (الجزيرة)
أمين محمد حبلا-الجزيرة نت
 
بلحيته الحمراء وزيه الوقور بدأ الشيخ عادل الكلباني في توزيع أوراق البلوت (الكوتشينا أو الرامي)، متأسفا على زمن مضى دون أن يتقن هذه اللعبة التي طالما نظر إليها علماء السعودية باعتبارها حراما ومن لعبها كأنما صبغ يده بدم خنزير. حضور الشيخ الكلباني حفل البلوت أعاد النقاش من جديد حول دور ومكانة علماء ومشايخ السعودية في الواقع الجديد.
 
ولم يكن حضور الشيخ الجليل مفاجأة فحسب بل كان صدمة ليس فقط بالنسبة للبعيدين منه، وإنما أيضا لأنصاره ومتابعيه الذين باغتهم الشيخ وهو يشارك "صوتا وصورة" في افتتاح بطولة البلوت، إحدى بطولات الرياضات الذهنية التي أطلقتها السعودية مؤخرا ضمن مشاريع وأنشطة الترفيه التي أعلنت السعودية أنها ستستثمر فيها 240 مليار ريال (نحو 64 مليار دولار) خلال السنوات العشر المقبلة.

والشيخ عادل الكلباني هو داعية وقارئ وإمام سابق للحرم المكي، وإمام سابق لمسجد خالد بن الوليد، وحاليا إمام لمسجد لمحيسن في الرياض، ويحظى بمكانة دعوية بارزة في المملكة العربية السعودية، وهو من الشيوخ السعوديين الناشطين في موقع تويتر.

أمنية وتأسف
لم يكتف الشيخ الكلباني بالمشاركة الرمزية في افتتاح البطولة، فقد حرص على إلقاء كلمة عبّر فيها عن أسفه الشديد لعدم معرفة طريقة لعب البلوت، رغم أن له إخوة لهم خبرة كبيرة فيها ويدمنون على لعبها، حسب قوله.
 
 
وأشار إلى أنه يتمنى لو أنه يعرف هذه اللعبة "في هذا الزمن، زمن الدراهم"، وتمنى التوفيق للمشاركين في البطولة وأن يكون تنافسهم شريفا وبروح رياضية بعيدة عما يوغر الصدور ويثير الأحقاد، قبل أن يحث الفائزين منهم على اقتطاع نصيب لهم من الجوائز التي رصد لها مبلغ يفوق المليون ريال.

وفي خطوة رمزية، بادر الشيخ إلى توزيع بعض أوراق اللعبة بالطريقة ذاتها التي يستخدمها المشاركون فيها، بينما كان العشرات من الحاضرين ينهمكون في خوض غمار اللعبة ذات الانتشار الواسع في منطقة الخليج.

ورغم أن الكلباني عرف بجرأته -وحدته أيضا وفق بعض خصومه- فإنه لم يخرج في الغالب عن السياق العام الذي ترسمه المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية والتي تسمح لها القوانين والأعراف المحلية بإصدار مواقف وآراء على شكل فتاوى بشأن أغلب إن لم يكن كل القضايا المطروحة في الساحة السعودية وخارجها بما فيها الموقف الشرعي التفصيلي من أنواع الألعاب والرياضات، وفي الغالب تتحول هذه الفتاوى إلى موقف رسمي ملزم لعموم الشعب.

وكان الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، وهو المرجع الديني الأعلى في السعودية خلال عقود ماضية، قد أفتى بحرمة هذه اللعبة "لكونها من آلات اللهو ولما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وإضاعة الأوقات في غير حق ولما قد تفضي إليه من الشحناء والعداء، هذا إذا لم يكن فيها عوض، أما إذا كان فيها عوض مالي فإن التحريم يكون أشد، لأنها بذلك تكون من أنواع القمار الذي لا شك في تحريمه، ولا خلاف فيه".

وهذه الفتوى هي ذاتها التي خلصت إليها اللجنة الدائمة للفتوى بالسعودية استنادا أيضا إلى فتوى الشيخ ابن باز، مما يعني أن الموقف الشرعي المنبثق من الهيئات السعودية بشأن هذه اللعبة يؤكد حرمتها، فكيف تسنى للسلطات الاحتفاء بها وإقامة بطولة خاصة بها؟ وكيف تأتى لأحد مشايخ السعودية المنضوين ضمن المنظومة الدينية السعودية مخالفة هذا الموقف؟

انعطافات وتحولات
توالت خلال المدد الأخيرة الكثير من القرارات والإجراءات التي تسعى من خلالها السلطات السعودية إلى تقليص حضور البعد الديني في المشهد السعودي العام، بالتوازي مع تقليم أظافر الهيئات الدينية الرسمية والتبرؤ من جزء كبير من الإرث الديني، الذي ارتكزت عليه الدولة السعودية منذ قيامها على أساس تحالف بين شخصيتين مؤثرتين هما مؤسس العائلة الحاكمة محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب أحد أكثر المراجع الدينية تأثيرا في تاريخ الجزيرة العربية.

 
ومع أن مساعي الأمير السعودي محمد بن سلمان لتجريد الدولة السعودية من طابعها الديني غير خافية، فليس من الواضح ما إذا كان يريد إحالة مشايخ الدين ومرجعياته إلى "التقاعد المبكر" وإبعادهم بالمطلق عن حياة الناس، أم يخطط أيضا لاستغلال هذه المرجعيات في تعبيد الطرق والمسارات التي ستسلكها التوجهات الجديدة حتى تنداح دون عوائق اجتماعية أو دينية في بيئة اجتماعية ودينية تربت لعقود طويلة على أنماط جد محافظة في التدين والسلوك.

ويعتقد العديد من المتابعين أنه حتى إذا نجح ابن سلمان في وضع يده على ما تصفه مجلة لوموند دبلوماتيك الفرنسية بأهم "الموارد الرمزية" للمملكة (الدين) -ويبدو الأمر سهلا ميسورا- فمن الصعوبة بمكان تنميط وعي السعوديين وقولبتهم ضمن السياقات الجديدة باعتبار أن التحولات الاجتماعية والدينية لا تأتي بين عشية وضحاها وإنما تحتاج عقودا وربما قرونا للتشكل والتكيف.

وبينما تتبعثر أوراق البلوت على طاولات اللهو السعودي الجديد، تتبعثر أوراق المؤسسات الدينية والنظم الفكرية الحاكمة للسعودية في ظل رياح لم تكن مما تتشهي سفن المبحرين في الزمن الوهابي الغابر.
المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية