جولة بومبيو.. هل سقطت القاهرة "سهوا"؟

كان لافتا استثناء مصر من أولى جولات بومبيو الخارجية التي بدأها بالرياض (رويترز)
كان لافتا استثناء مصر من أولى جولات بومبيو الخارجية التي بدأها بالرياض (رويترز)

أمين محمد حبلا-الجزيرة نت

حرص وزير الخارجية الأميركي المعين حديثا مايك بومبيو أثناء جولته التي شملت السعودية وإسرائيل والأردن وغابت عنها مصر على تذكير مستضيفيه أكثر من مرة أنه زارهم قبل أن يدخل مكتبه الجديد بوزارة الخارجية في واشنطن.

ولعل بومبيو أراد التأكيد والتذكير بذلك أكثر من مرة لإعطاء انطباع مضاعف بأهمية الزيارة واستعجال المهمة وحساسية اللحظة، وربما أيضا بأهمية الدول المزورة في خريطة الأجندة الأميركية الجديدة بالمنطقة.

والدول المزورة في أولى جولات بومبيو هي السعودية وإسرائيل شريكتا واشنطن في القلق المضاعف من إيران والساعيتان بقوة لتعديل الاتفاق النووي معها، والأردن "الرافض" لقرار صفقة القرن والغاضب من قرار ترمب بشأن القدس، وغابت مصر الدولة العربية الكبرى في المنطقة.

ما فتئت القيادتان المصرية والأميركية تشيدان بمستوى العلاقة بين الطرفين، وبأهمية مصر ومكانتها العربية والإقليمية، ولكن الخطوات الرمزية التي تجسد هذه النظرة وتؤكدها تشي بغير ذلك، ومن بينها أولى جولات القائد الجديد للدبلوماسية الأميركية، خصوصا أن أولى الزيارات في المأموريات الجديدة تحمل في العادة دلالات رمزية غاية في الأهمية ضمن الأعراف الدبلوماسية السائرة.

على خطى الرئيس
سار بومبيو في جزء من جولته الأولى على خطى الرئيس دونالد ترمب الذي اختار أن يبدأ جولاته الخارجية من السعودية ثم يثني بإسرائيل، وهو المسار ذاته الذي سلكه بومبيو في جولته الحالية، مما يعني وفقا للكثيرين ترابطا بين البلدين المزورين ومكانة خاصة لهما في السياسة الأميركية الجديدة.

وبينما مثلت مصر المنصة التي اختارها الرئيس السابق باراك أوباما في العام 2009 ليخاطب من خلالها العالم الإسلامي في مؤشر على الرمزية التي تتمتع بها القاهرة حينها في خريطة العالم العربي والإسلامي والمكانة التي تحظى بها لدى صناع القرار الأميركي غابت القاهرة عن الزيارتين الأهم -حتى الآن- في عهد الرئيس ترمب، ويتعلق الأمر بجولة ترمب الأولى التي اختار أن يفتتحها من الرياض، وجولة وزير خارجيته الجديد القادم من وكالة الاستخبارات الأميركية.

ومن المفارقات أن القاهرة يفترض أن تكون معنية بدرجة رئيسية بإحدى أهم أولويات الإدارة الأميركية الجديدة وهي صفقة القرن، بيد أن واشنطن اختارت -وفقا لمصادر سياسية وإعلامية عددية- أن تكون الرياض هي عراب هذه الصفقة والمشاركة في إقناع وربما إرغام الفلسطينيين عليها.

ليس من المرجح أن تكون لمصر تحفظات كبيرة على بنود صفقة القرن، بل تفيد التسريبات بأن الرئيس السيسي مشارك رئيسي في الترويج لها والضغط لتحقيقها، ولكن يبدو أن اعتبارات أخرى أفقدت مصر تلك الحظوة، من بينها الوضع الداخلي المصري وتراجع نفوذها الإقليمي وتحول جزء كبير من قرارها السياسي بعد العام 2013 إلى الخليج، فضلا عن موقفها غير المتناغم كليا مع الرياض وواشنطن وتل أبيب بشأن أحد أهم ملفات الزيارة وهو الملف النووي الإيراني.

لم تكن مصر وحدها الغائبة عن جولة بومبيو، حيث غاب الطرف الفلسطيني أيضا عن جولة على رأس أولوياتها تسويق صفقة القرن بين إسرائيل والفلسطينيين الطرف الغائب في هذه الزيارة.

وبينما تشير صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير تحليلي كتبه غاردينر هاريس وإزابيل كيرشنر إلى أن الدبلوماسيين الأميركيين ما انفكوا ينظرون لأنفسهم لعقود من الزمن على أنهم وسطاء بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وأن من عادة وزراء الخارجية الأميركيين الالتقاء أثناء جولاتهم الإقليمية بممثلين فلسطينيين تنسب إلى مسؤولين فلسطينيين القول إنه لم يقم أي أحد من وزارة الخارجية الأميركية بالاتصال بالقادة الفلسطينيين لأجل الاجتماع مع بومبيو، وأن ذلك يعود ربما لكون الأميركيين يعرفون جواب الفلسطينيين مسبقا والمتمثل في "لا".

ويشير كاتب المقال إلى أنه لو كانت لدى وزير الخارجية الأميركي بومبيو إستراتيجية لسد الفجوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لما وجد ربما أفضل من هذه اللحظة للتعامل مع القيادة الفلسطينية.

إيران وصفقة القرن
في الجانب الآخر، مثلت الجولة في محطاتها الثلاث فرصة لمزيد من التحشيد لصالح ما تسمى صفقة القرن وضد إيران والاتفاق النووي معها، حسبما يقرأ من تصريحات المسؤولين الرسميين.

وبدا تركيز بومبيو على الملف الإيراني كبيرا في كل التصريحات التي أطلقها أثناء الجولة، حيث كال السباب والشتائم للاتفاق السابق، وتعهد بتغييره أو الانسحاب منه، وبالتصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة.

وهي ذاتها النبرة التي سمعها مضاعفة في الرياض والقدس على وجه التحديد مع مزيد من المطالبة بالصرامة والشدة مع نفوذ إيران وصواريخها البالستية.

تأتي زيارة بومبيو بينما يدرس ترمب ما إذا كان سيتخلى عن مهلة منحها للحلفاء الأوروبيين غايتها 12 مايو/أيار لإصلاح الاتفاق النووي الإيراني الذي يراه معيبا بشدة، حيث سيقرر في هذا التاريخ بشأن الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات شاقة بين إيران والدول الكبرى الست (الولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا وألمانيا)، غير أنه من المرجح أن يقرر سحب بلاده من الاتفاق تمهيدا لإعادة فرض عقوبات على طهران على خلفية برنامجها النووي.

كما ينتظر أيضا أن يتم نقل السفارة الأميركية إلى القدس في 14 من الشهر ذاته في ذكرى النكبة الفلسطينية، مع أمل أميركي إسرائيلي أن تمثل تلك الخطوة بداية لخطوات أخرى ضمن ما تعرف بصفقة القرن التي تهدف وفقا للفلسطينيين إلى تصفية القضية وإنهاء المقاومة.

المصدر : الجزيرة + وكالات