مقبرة "بَلَير" بدكار.. رسالة التعايش الديني بعد الموت

جانب من مقبرة بلير في دكار (الجزيرة نت)
جانب من مقبرة بلير في دكار (الجزيرة نت)

محمد الأمين-دكار

بين مسلم يحمل سبحته ومسيحي يحمل صليبه يتنوع زوار مقبرة "بَلير" السنغالية تنوعا يعكس اختلاف وتباين المزار، ويجسد واقعا ماثلا للعيان من خلال وجود المسجد إلى جانب الكنيسة في دكار، إنها رسالة بَلير إلى الكون أن التعايش قد يتجاوز الحياة إلى ما بعد الموت.

تقع مقبرة بَلير في الجزء الجنوبي الشرقي من العاصمة السنغالية دكار والتي أنشئت عام 1832, وتضم آلاف الموتى من بينهم رموز سياسيون واجتماعيون ودينيون مسيحيون ومسلمون، ومواطنون وأجانب.

على بعد بضعة أمتار من قبر أول رئيس سنغالي ليوبولد سيدار سينغور ذي الديانة المسيحية (1906 ـ 2001) يرقد الإمام المسلم تييرنو سعيد دم الذي توفي عام 1923، وهذا يؤكد على انعدام الداء السياسي الأفريقي المتمثل في الانقلابات، والحرص على الديمقراطية والتناوب السلمي في السنغال.

يرقد الإمام المسلم والرئيس المسيحي جنبا إلى جنب في رحلة أبدية رغم اختلاف الديانات واختلاف القومية، ولم يؤثر هذا الاختلاف الديني ولا القومي على جسر التواصل والتعايش بين الرجلين حتى بعد الموت، ولا بين مكونات الشعب السنغالي.

قبر أول رئيس سنغالي مسيحي ليوبولد سيدار سينغور (الجزيرة نت)

جزيرة العبيد
لقد مثل الرجلان نموذجين مختلفين أو متناقضين في المجتمع السنغالي، فالإمام صيدو دَمْ عاش حياة بسيطة وكان مشبعا بالثقافة الإسلامية، حيث كان إمام أول مسجد مشيد في جزيرة غوري -جزيرة العبيدـ في السنغال عام 1890، بحسب الشاب جوب أحد المشرفين على المقبرة.

بينما يمثل سينغور الطبقة البرجوازية حتى وإن نفر منها في شبابه، فعائلته كانت عائلة مسيحية ثرية، وقد تلقى تعليمه الابتدائي في المدارس الكنسية الفرنسية بالسنغال، لكن هذا التناقض كان مصدر إثراء وجسرا للتعايش جسّده السنغاليون في التسامح والانسجام حتى في عالم ما بعد الموت.

وقال الشيخ محمد الحبيب لي إمام وخطيب جامع السلام الشهير بدكار في تصريح للجزيرة نت، إن المجتمع السنغالي يقدر نعمة التعايش السلمي بين مختلف مكوناته الدينية والقومية والإثنية نتيجة فهمهم للنهج الوسطي للإسلام.

ويرى أن هذا التعايش هو ما جعل السنغال تعيش نعمة الأمن والاستقرار في عالم مضطرب تعصف فيه الصراعات وتزعزعه الحروب الأهلية، بسبب اختلاف الديانات، بل وبسبب تنوع المذاهب داخل الدين الواحد، وأحيانا يعجز من ينتمون لدين واحد ومذهب واحد وشعب واحد ووطن واحد ولغة واحدة عن التعايش السلمي وعن تسيير خلافاتهم بالحسنى، مما يؤدي إلى خراب بلدانهم ودمارها.

وأضاف الشيخ لي أن وجود إمام مسلم بين قبور المسيحيين هو جزء من صورة الواقع الاجتماعي في السنغال، موضحا أن هذا البلد ومنذ استقلاله في أبريل/نيسان 1960 لم يشهد أي صراع ديني، أو حربا أهلية عرقية، لأن الشعب متسامح ويعرف خطورة هذه الصراعات.

قبر الإمام صيدو بين قبور مسيحيين يمثل جسرا رمزيا للتعايش بين الديانات في السنغال (الجزيرة نت)

التعايش والتسامح
وأشار إلى أن الشعب السنغالي بلغ من التسامح ما جعله يقاد من طرف مسيحي كأول رئيس له رغم الأغلبية المسلمة التي تفوق 95% من السكان، ولذلك تشهد السنغال استقرارا مثاليا في المنطقة حتى إنها لم تعش قط انقلابا عسكريا عكس السائد في القارة السمراء كلها تقريبا.

ومن جانبه أكد الشاب جوب أن الشباب السنغاليين يتراحمون ويشاطر بعضهم بعضا الأحزان والأفراح، فقد حزن هؤلاء الشباب في السنغال حزنا كبيرا عندما توفي نجل الرئيس الراحل سينغور المسمى فيليب (1958ـ1981) في حادث دراجة نارية مفاجئ، وهو مدفون مع والده في القبر نفسه.

وقد تكررت المواقف ذاتها عندما توفي الشيخ عبد العزيز سي المشهور بالدباغ وابن الحاج مالك سي مؤسس زاوية تِواوون التجانية المركزية 1996 حيث بكاه يومها المسلمون والمسيحيون على حد سواء.

تقدم السنغال نموذجا إنسانيا فريدا في مجال التعايش بين الديانات كالإسلام والمسيحية وبعض الديانات الوثنية وإن بأقليات ضئيلة، وبين المذاهب والطرق الصوفية داخل الدين الإسلامي الذي يعتنقه الشعب السنغالي باستثناء أقلية يسيرة.

كما تجسد السنغال مثالا على انسجام أعراق وقوميات مختلفة مثل الولوف الذين يفوقون 40% من السكان، والبولار الذين يناهزون ربع السكان، بالإضافة إلى قوميات جولا والسونونكي والماندينكا، وغير ذلك من فسيفساء اجتماعية تنصهر في وطن واحد.

المصدر : الجزيرة