"عشت مع الموت".. قصة شيخ على خطوط النار

أبو أحمد يفتش في مقتنياته المتواضعة في بيته وسط حي جوبر بضواحي العاصمة السورية (رويترز)
أبو أحمد يفتش في مقتنياته المتواضعة في بيته وسط حي جوبر بضواحي العاصمة السورية (رويترز)

قبل سنوات، أبرم محمد المصري -ذو الخمسة والسبعين عاما- اتفاقا شفهيا مع الموت على مشارف حي جوبر الدمشقي، قضت بنوده بأن يظل شاهدا على منازل من رماد، وأن يروي حكاية بيت سكنته العناكب.

منذ اندلاع المعارك في 2012، عاش أبو أحمد المصري سنوات الحرب كلها على آخر خط للتماس أقامه جيش النظام السوري مع مقاتلي المعارضة في حي جوبر، فلعب دور حارس الحي وعامل النظافة الذي يطّهر المنطقة من بقايا نفايات العسكر.

وفي مارس/آذار الماضي، انسحب مسلحو المعارضة من حي جوبر تحت وطأة ضربات جيش النظام مدعوما بالسلاح الجوي الروسي.

وقد استكمل جيش النظام هجومه على بلدات ومدن في الغوطة الشرقية وصولا إلى دوما بريف دمشق، في واحدة من أعنف الهجمات خلال الحرب السورية التي دخلت عامها الثامن.

وما زال حي جوبر خاليا من السكان باعتباره منطقة أمنية، تفترش أراضيه الأبنية المدمرة وبقايا الرصاص وصواريخ لم تنفجر.

ولكن الحياة بدأت تعود نسبيا إلى أطراف هذا الحي من جهة ساحة العباسيين، وللمرة الأولى منذ ثلاث سنوات وجد أبو أحمد نفسه يجلس بأمان أمام منزله العتيق.

جانب من ملامح الحياة في حي جوبر وسط تمدد الدمار والخراب (رويترز)

بيت العنكبوت
يتألف المنزل الطيني من غرف أرضية متداخلة، بينها واحدة بلا سقف، أما الأثاث فمن أدوات لا تتعدى خزانة ملابس غطاها الغبار وجهاز تسجيل قديم وراديو ومقتنيات أخرى اتخذ العنكبوت منها بيوتا، ولكأن صاحب المنزل لم يدخله منذ سنين.

يفتح أبو أحمد الباب الخشبي المهترئ للغرفة ويمسك خيوط العنكبوت بيديه لإزاحتها من دربه، حتى  عرض بذلته ذات اللونين الأخضر والبني ويقول "لم ألبسها من زمان".

خلال سنوات الحرب لم يذهب أبو أحمد إلى أي مكان، وظل وحيدا في بيته محاطا بمجموعة عسكرية من الحرس الجمهوري.

يعود بذاكرته إلى أيام القتال قائلا "لم أخط ولا خطوة من هنا، لا بالليل ولا بالنهار، بيني وبين الدبابة عشرة أمتار. أنا الوحيد الذي كنت في هذه المنطقة، لا بنايات ولا غيره".

وقد تعرض منزل أبو أحمد للقصف ثلاث مرات مما أدى إلى سقوط أجزاء منه، ويقول: "سقطت القذائف على البيت وأنا في داخله. لم أخرج"

ويروي "الموت كان قريبا مني. عشت هنا مع الموت ولم أمت. في بيتي سقطت ثلاث قذائف وأصيب ابني بشظية. الحمد لله رب العالمين".

يمضي أبو أحمد في حكايته ليبوح بمكنون مشاعر كبتها طويلا، فيقول "ثلاث قذائف ببيت واحد! لا أحد يستطيع أن يهرب من الموت إذا كان بالقذائف أو غيره".

وكان أبو أحمد انقطع عن التواصل المباشر مع محيطه مكتفيا بتعداد ما يسقط من قذائف في منطقة يصفها بالمخيفة جدا، حيث يتمركز القناصة على سطوحها العالية. لكن كل هذا الحصار والخوف والقصف لم يمنعاه من التحدث هاتفيا مع شقيقته أو من مشاهدة التلفزيون.

الحرب طحنت حي جوبر وتحوّل إلى ساحة خراب بعد أن كان يعج بالحيوية والنشاط (رويترز)

خراب العمران
ويروي "كثيرون قالوا إني مجنون، ماذا أفعل هنا؟ الكل هربوا. عندي تلفزيون وأحضر كل شيء.. ما عاد للوقت معنى هنا. أنام وأصحو بلا وقت".

وقبل 2012، كانت الأسواق في جوبر عامرة وشوارعها لا تنام، وكانت الدولة السورية تصنفه ملتقى للأديان لأنه يضم كنيسا يهوديا يعتبر من أقدم المعابد اليهودية في العالم.

ووسط الدمار وآثار القتال الدامي، يسير بعض الصغار بين المتاريس والخنادق وفوق تلال الرمال التي ما زالت متأهبة كما لو أن الحرب قائمة، وهم يستكشفون المكان الذي لم يستطيعوا الوصول إليه من قبل، بينما عناصر الجيش يصيحون قائلين لهم "ابتعدوا من هنا!".

ويواصل جيش النظام تمشيط المنطقة واكتشاف أنفاق حربية حفرت في حي جوبر على مدى السنوات الماضية.

وبعد أن كان في شبابه يعمل في صناعة قوالب سكب المعادن، ينهمك أبو أحمد الآن في كنس المنطقة وتنظفيها.

وردا على سؤال عن دوافعه لذلك يقول "يا عمي، هذه بلدي، إذا أنا أستهتر والثاني يستهتر والثالث يستهتر.. ستخرب علينا باكرا".

ومع بدء عودة أهالي جوبر إلى الحي بعد تهجير استمر سنوات، يستأنس أبو أحمد بأصوات تتناهى إليه لفتيات يرددن الأغاني الدمشقية الشهيرة، مثل "يا مال الشام" و"عالصالحية يا صالحة"، ويصيح قائلا بنبرة فرح وحماس "اسمعوا! لقد عادت الحياة إلى الحي".

المصدر : رويترز