المصور المتجول.. ومضة من الزمن الجميل بالمغرب

عزيزة بوعلام-الرباط

من بعيد كان العوني الدوباجي يرمق صديقين يتجولان مشيا في الساحة الرئيسية المقابلة لبناية البرلمان المغربي بشارع محمد الخامس في العاصمة الرباط.

كانا يتابعان بسعادة أسرابا من الحمام تحلق في عرض بديع بالفضاء وتحط دون خوف، لتلتقط حبات قمح وذرة ينثرها المصورون المتجولون في المكان.

تقدم نحوهما بكاميرته ذات اللون الأسود المعلقة على صدره وابتسامة لا تفارق محياه ليعرض عليهما التقاط صورة توثق لحظة سعادتهما قبل أن يأتيه الجواب الذي جعله يتراجع خائبا "شكرا، لدينا موبايل نلتقط به الصور".

تلك الخيبة التي عاشها العوني ألفها في السنوات الأخيرة مصورون تجدهم بساحة البرلمان، وفي ساحة الحمام وسط مدينة الدار البيضاء وغيرها من الساحات التراثية والأماكن العامة في المغرب.

يتجول هؤلاء المصورون في أرجاء الساحات وكاميراتهم في حالة تأهب دائما لالتقاط صور تذكارية للعابرين مقابل عشرة دراهم (1.37 دولار)، ولكن لم يعد يهتم بهم سوى القليل من الناس، فأغلب الزوار بحوزتهم كاميرات.

حسرة وأسى
يتأسف العوني لما وصل إليه حال المهنة اليوم، فيقول وعلامات الأسى تأخذ طريقها إلى وجهه "كما ترون لا نصور أحدا، فقليل اليوم من يحب أن يتصور بكاميراتنا".

ويتابع "الموبايل دفع إلى استغناء أغلب الزوار عن خدماتنا، إذ أصبح بإمكانهم التقاط صورهم باستخدام هواتفهم".

ويتذكر العوني الذي باشر العمل مصورا متجولا منذ عام 1980 الزمن الجميل لحرفته وهو ينظر إلى حمام الساحة وكأنه يلتقط منه ذكرياته، ويقول "كنا أكثر عددا ولدينا زبائن كثر، وعدسات كاميراتنا تلتقط ما بين أربعين وستين صورة في اليوم الواحد".

أما اليوم فالوضع تغير تماما ولم يعد بإمكانهم التقاط أكثر من صورتين أو ثلاث، كما تناقص عددهم إلى ما يقارب تسعة مصورين يقاومون بعناد شبح انقراض مهنتهم في زمن أجهزة الهاتف الجوال.

"قد قضى على رزقهم اليومي بنسبة 70%، وتراجع عملهم ولم يعد بمقدورهم توفير مدخول مستقر يفي بحاجيات أسرهم" وفق رئيس جمعية قدماء المصورين المتجولين عبد الرحيم المومني.

قضى المومني 45 عاما في أرجاء ساحة الحمام وسط الدار البيضاء إلى جانب حوالي عشرة من زملائه المصورين.

المصورون البسطاء تربطهم قصة حب مع الحمام في العديد من الساحات العامة بالمغرب (الجزيرة)

وبينما يداعب كاميرته يسرد المومني أنه منذ أزيد من خمسين سنة كان هناك عشرات المصورين المتجولين يسعون وراء رزقهم في الشارع والتقطت كاميراتهم آلاف الصور على امتداد سنوات عملهم.

ويضيف بأسى "منا من توفي، ومنا من أصابه المرض، ومنا من استنجد بعمل آخر، لكن أغلبنا تقدم به العمر ولا يملك أن يزاول مهنة أخرى".

إصرار وصمود
ويبدو المومني والعوني ومن بقي من زملائهما في المهنة مصممين على إكمال مشوار الحياة مع كاميرا التصوير رغم أن دخولهم تقل مع توالي الأيام بكثير عما كانوا يحصلونه في الماضي. 

ويقول العوني للجزيرة نت أنه لولا حبه لهذا العمل لتركه، لأن التصوير الجوال لا مستقبل له.

وحينما يتحدث إليك ذلك العجوز الذي يعتمر قبعة تظلل سمرة وجهه تشعر بأن الكاميرا هي حياته، فمنذ أربعين عاما وهو يحتضنها بحميمية.

حكايات كثيرة عاشها في هذا المكان الذي ارتبط به منذ شبابه ليصادق كل أحداثه وتفاصيله العمرانية ويرتبط بزواره.

هناك زبائن ما زالوا ينتصرون لصورة الكاميرا التي تظل بالنسبة لهم أرشيفا وذاكرة (الجزيرة)

ورغم متاعب المهنة فهو يعتبر أن بينه وبين حمام الساحة "عِشرة عمر" ليقول بنبرة صوت تعلوها مسحة من الفخر "أستمتع بالوقت الذي أمضيه برفقتها، وهي تلتف وتحوم حولي بنشاط وتحط فوق كتفي أو كفي لالتقاط حبات القمح".

حب متبادل
رغم كل السنين ظل الموعد بين العوني وهذا المكان ثابتا لا يتغير، في مشهد تغذيه علاقة حب متبادل بين الحمام الذي يجوب المكان ملتمسا رزقه ومصورين بسطاء ظلوا صامدين يواجهون تضييق الهاتف المحمول على مصدر رزقهم.

غير أن هذا الواقع لم يمنع بعض الزبائن من الانتصار لصورة الكاميرا التي تظل بالنسبة لهم أرشيفا وذاكرة يسهل العودة إليها بكل حميمية بين وقت وآخر، أما صورة الهاتف المحمول فهي أقل جودة، كما تختفي ويغيب أثرها، وفق تعبيرهم.

وتجزم سمية الباني بأن إحساسها وهي تقلب الصور التي يلتقطها المصور المتجول بحرفية يختلف بكثير عما تشعر به وهي تقلب صور هاتفها.

وببسمة يملؤها التفاؤل يتركنا العوني ليبدأ جولته المعتادة باحثا عن زبائن يروي بهم عطش عدسة كاميرته.

بيد أن اختفاء العديد من المصورين المتجولين من الساحات العامة واعتزالهم المهنة يظل أمرا موجعا بالنسبة للمومني والعوني، لكنهما يتقاسمان الأمل مع من بقي من رفاقهما في أن تتدخل السلطات لتعيد إلى مهنتهم الاعتبار وتنقذها من الاندثار إلى جانب مجموعة من المهن الأخرى.

وتشير دراسة أعدها مركز "ماكينزي" الدولي إلى أن ما بين 45 و55% من المهن التراثية في المغرب ستختفي مستقبلا وسط غياب أي برنامج رسمي لحمايتها.

المصدر : الجزيرة