"أمير الأحلام" ابن سلمان.. الترفيه والطريق إلى التمكين

جانب من إحدى حفلات الجاز في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من إحدى حفلات الجاز في العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

زهير حمداني

لم تعد ليالي جدة والدمام والرياض والمدن السعودية راكدة كما كانت، فالفعاليات الترفيهية تجتاح كل الأمكنة ليثور بشأنها جدل يتعلق بما يحصل خلالها من "تجاوزات" للأعراف واعتبارها أداة ولي العهد محمد بن سلمان للتمكين.

وأثار أول عرض للمصارعة الحرة العالمية في المملكة العربية السعودية جدلا كبيرا، فقد أعرب المغردون السعوديون عن استيائهم من ظهور مصارعات على شاشات العرض يرقصن وهن يرتدين ملابس اعتبرت فاضحة، في حين قدمت هيئة الرياضة اعتذارا رسميا للمشاهدين.

وكان رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة تركي آل الشيخ وقع نهاية فبراير/شباط الماضي اتفاقية مع رئيس مؤسسة المصارعة الحرة العالمية الترفيهية لإقامة المنافسات حصريا في السعودية لمدة عشر سنوات.

ويأتي العرض الأخير ضمن فعاليات فنية ورياضية غير مسبوقة في المملكة أقيمت إثر قرارات أدت إلى التخلي عن عدد من القوانين والأعراف الرسمية التي اعتمدتها على مدار عقود، خصوصا بعد إنشاء الهيئة العامة للترفيه.

سعوديات أثناء متابعة إحدى الحفلات بالرياض (رويترز)

تغييرات هيكلية
وقضت التغييرات الجديدة في السعودية -التي تأتي في صلب رؤية 2030 التي خطها ولي العهد محمد بن سلمان- بافتتاح دور للسينما والسماح للمرأة بحضور المباريات الرياضية في الملاعب وقيادة السيارات، وزيادة الفعاليات الفنية والرياضية، وتدفق المغنون العرب والعالميون، بينهم الشاب خالد، وثامر حسني، ووائل جسار، وياني، وجون ترافولتا، ومساري، ونيللي.

وفي خطتها الاستثمارية للسنوات العشر المقبلة أعلنت الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية عن نيتها استثمار ما يقارب 64 مليار دولار في قطاع الترفيه بالمملكة (نحو 4.6 مليارات دولار سنويا)، وتضمن برامج الهيئة للعام الجاري أزيد من خمسة آلاف فعالية في 56 مدينة مقابل 2200 فعالية العام الماضي و52 عام 2016.

حجم الزيادة في الفعاليات ونشاط الهيئة مقابل خفوت أصوات جمعيات ومؤسسات دينية طرح أسئلة عن أهداف هذا التوجه نحو الترفيه، خاصة أن التغيير غير المعهود جاء مفاجئا ودفعة واحدة وبشكل صادم ولا يراعي البيئة المحافظة التي تحكمها قوانين الشريعة والضوابط العشائرية والعائلية وفق الكثيرين.

وفي سياق هذا الاهتمام الهائل بالترفيه ومظاهره ووسائله وضع الملك سلمان السبت وولي عهده حجر الأساس لمشروع "قدية"، وهي أكبر مدينة ترفيهية في العالم، وتبلغ تكلفة بنيتها التحتية فقط نحو ثلاثين مليار ريال (نحو ثمانية مليارات ريال)، في حين قد تصل تكلفتها النهائية أضعاف ذلك.

وفيما ترحب شرائح مختلفة بمثل هذه المشاريع وتعتبرها في صلب عملية التغيير والإصلاح وجزءا من "أنسنة" المدن السعودية ترى شرائح أخرى أنها تشكل في معظمها تجاوزا للواقع الاجتماعي والديني، وأنه كان من الأولى تحويل تلك النفقات لتحسين أوضاع المواطنين والمشاريع الخدمية الأساسية.

الملك سلمان أثناء تدشينه مشروع "القدية" الترفيهي (رويترز)

التغيير والتمكين
وفي هذا السياق، يقول المعارض سعد الفقيه في تغريدة له "في كل مكان تصرح الدول للسينما وتقوم شركات الترفيه ببنائها إلا تحت سلطة ابن سلمان، دفع لشركات إنشاء السينما أضعاف التكلفة حتى تنجزها خلال أسابيع مقابل عجز كامل عن حل مشاكل الشعب في السكن والخدمات وغيرها".

وفي وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات المعارضة (المحافظة) فسر البعض التركيز على الترفيه لاعتباره توجها لإحداث تغييرات هيكلية في البنية السلوكية والاجتماعية السعودية بما يتبعها من تغييرات على الصعيد السياسي يتناسب مع المشاريع الجديدة لولي العهد.

ويرى متابعون أن ابن سلمان يقدم نفسه للولايات المتحدة والدول الغربية على أنه مصلح سياسي واقتصادي واجتماعي في المملكة، ويلحظ أثناء زيارة ابن سلمان الأخيرة إلى الولايات المتحدة مقابلته عددا كبيرا من الفاعلين في صناعة الترفيه، بينهم روبرت ميردوخ ونجوم هوليود.

وفي سياق توجهه هذا حد ابن سلمان من نفوذ المؤسسة الدينية، وتم تجميد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واختفى رموز ما تسمى "الصحوة" بالاعتقال أو الإقامة الجبرية مثل سلمان العودة وعوض القرني وغيرهما، وتم تغيير المناهج التربوية بما يتيح إحداث تغييرات جوهرية.

وفيما صمت الكثير من علماء الدين وآثروا السلامة روج آخرون لابن سلمان رؤيته للتغيير بإعادة تأويل النص الديني للسماح للمرأة بقيادة السيارة وإباحة الموسيقى والسينما والرسم وغيرها.

وفي مقاربة أخلاقية ودينية صرفة يطالب مغردون سعوديون في الكثير من الوسوم -وبينها وسم #نطالب_بالهيئة_وإيقاف_الانحلال في المملكة العربية السعودية- بوقف ما يسمونه الانحلال الأخلاقي الحاصل في البلاد إثر الانفتاح الذي تمارسه هيئة الترفيه ومشاريعها التي تساهم في انفلات المجتمع.

ويقرأ الكثير من المتابعين هذا "الفيض" من وسائل الترفيه وأدواته باعتباره توجها نحو "لبرلة" الدولة والمجتمع، مما يسمح بكسر المنظومة السابقة على الصعيد الاجتماعي باعتبار أن وجودها قد يعرقل رؤية ابن سلمان ونزوعه نحو السلطة، لكن القبضة الأمنية الشديدة بقيت السمة الأساسية للنظام.

والصورة الجديدة التي أرادها ابن سلمان للمملكة حيث تشع أضواء السينما ويتوافد نجوم العالم في الفن والرياضة تعتبر -وفق معارضين- أنها تغطي على أجواء الاعتقالات التي غرق فيها المجتمع السعودي وشملت مختلف الشرائح، ونشرت أجواء من الخوف داخليا ومن شركاء الخارج، وهزت صورة المملكة لدى الرأي العام العالمي كما يقول معارضون.

ويريد ولي العهد السعودي أن يحدث هذه التغييرات العميقة في المجتمع السعودي من أجل تمكين نفسه ومشروعه على الصعيدين الداخلي والخارجي، في حين يرى معارضون أن هذه المشاريع الضخمة التي قد تدر مليارات الدولارات لن تكون عائداتها بعيدة عن ابن سلمان والمقربين منه.

وإضافة إلى الأدوات الأمنية والعسكرية فإن مؤسسات مثل الهيئة العامة للرياضة والهيئة العامة للترفيه تلعب دورا بارزا في تمكين نفوذ ابن سلمان لتظهره وكأنه "أمير الأحلام" الذي يظهر وسط أضواء مبهرة لكنها تخفي الكثير من العتمة وراءها.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية