هل تفرط مصر في آثارها الإسلامية؟

مدخل مسجد السلطان برقوق في القاهرة (الجزيرة نت)
مدخل مسجد السلطان برقوق في القاهرة (الجزيرة نت)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

تعالت موجة رفض واستنكار لقرار وزارة الآثار المصرية بتفكيك ونقل 55 منبرا من مساجد أثرية تعود إلى العصر المملوكي في القاهرة، في خطوة يراها خبراء آثار "كارثة" بحق الآثار الإسلامية، داعين إلى وقف تنفيذه وإعادة منبر مسجد أبو بكر مزهر الأثري الذي بدأت الوزارة تنفيذ قرارها بنقله إلى المخازن.

وحسب ذلك القرار الصادر في 20 فبراير/شباط الماضي برقم 110 فإن الوزارة ترمي إلى حماية الآثار الإسلامية من السرقة، ويشمل القرار إلى جانب المنابر نقل 60 قطعة أثرية إسلامية أخرى.

بيد أن نص القرار الذي ظهر لاحقا في العلن وأكد على "مراعاة عدم الإعلان عن هذا الموضوع" أثار الشكوك في الدوافع الحقيقية.

وكانت صحيفة الأهرام التابعة للدولة أول من تناول القرار، وأثار الخبر استنكارا واسعا قامت الوزارة على إثره بنفي الأمر، فأصرت الصحيفة على صحته ونشرت صور تفكيك منبر مسجد أبو بكر مزهر.

وفي نهاية المطاف اعترفت الوزارة بالقرار عبر تصريحات عدد من مسؤوليها الذين قالوا إن مسوغه هو حوادث سرقة سابقة.

القرار يشمل 55 منبرا في مساجد أثرية (مواقع التواصل الاجتماعي)

حملة رفض
وأطلق ناشطون وباحثون مهتمون بالآثار حملة للمطالبة بإلغاء القرار، ودشنوا لها صفحات بمواقع التواصل الاجتماعي، كما أعلنوا عن تنظيم حملة توقيعات ضده يوم الأربعاء المقبل بمكتبة القاهرة الكبرى في حي الزمالك بالقاهرة.

وقال القائمون على الحملة إنها تعبر عن تكاتف شعبي لمواجهة أحد أخطر القرارات التي صدرت بشأن التعامل مع الآثار الإسلامية بمصر، وبداية لكيان فاعل لحماية آثارها، كما كشفوا عن تقدم أحد المحامين ببلاغ إلى النائب العام ضمن نشاط الحملة للمطالبة بإيقاف القرار ومحاسبة المسؤولين عنه.

ووصفت جليلة القاضي أستاذة التخطيط العمراني ومديرة المعهد الفرنسي للأبحاث من أجل التنمية -وهي إحدى القائمين على الحملة- نقل هذه الآثار بأنه "أكبر عملية سطو علنية مقننة لدفن التاريخ"، متخوفة من أن يكون ذلك تمهيدا لنقلها خارج البلاد وظهورها بمزادات علنية أو في متاحف دولية.

وضمن التفاعلات دشن خبير الآثار وعلم المصريات بسام الشماع حملة باسم "مكانهم الجوامع"، وقال إن هدفها إثناء وزارة الآثار عن هذا القرار الذي سيؤدي للتفريط في هذا الموروث المهم، مشيرا إلى أنها امتداد لحملة سابقة نجحت في وضع كاميرات مراقبة لحماية مساجد تاريخية.

صورة لنص القرار متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

أمن قومي
وشدد الشماع في حديثه للجزيرة نت على أنه ينبغي على وزراتي الآثار والأوقاف، في حال تعذر قيامهما بدورهما في حماية الآثار الإسلامية، أن يتخليا عن تلك المسؤولية لمن لديه القدرة على ذلك، مقترحا في هذا السياق أن يتولى الجيش هذه المسؤولية؛ لأن تلك الآثار في رأيه مرتبطة بالأمن القومي المصري.

ويرى الشماع أن نقل هذه الآثار يفقد المساجد قيمتها الأثرية، كما أن وضعها بمخازن أو متاحف يسهل سرقتها بشكل أكبر، وهو المسوغ الذي تسوقه الحكومة لهذا النقل، فضلا عن تأكيد جميع المتخصصين على تعذر واستحالة إعادة تركيبها بالشكل الذي كانت عليه.

وقال إنه إذا توفرت النية الصادقة للحفاظ على هذه الآثار النفيسة، فإن الحل يتمثل في ترميم تلك المساجد لحماية مقتنياتها، ووضع كاميرات مراقبة عليها، وتكثيف إجراءات حراستها الأمنية، وتغليظ عقوبة السارقين والتشهير بهم في مختلف وسائل الإعلام.

ولم تفلح محاولة وزارة الآثار في تهدئة موجة الرفض والاستنكار التي شارك بها مؤيدون للسلطة الحاكمة، حيث تزايدت حدة حملات الرفض رغم بيان الوزارة الذي أكدت فيه عدم نقل أي أثر إلا في حالة الضرورة القصوى وبعد موافقة اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وتحديدها الحاجة إلى نقله أو عدمها.

ناشطون استنكروا امتهان منبر مسجد أبو بكر مزهر الأثري الذي تم تفكيكه ونقله إلى المخازن (مواقع التواصل الاجتماعي)

السياحة متضررة
متفقا مع الشماع، يرى محمد نبيل المرشد السياحي أن الحكومة المصرية تفتقد النية الصادقة في حماية الآثار الإسلامية، حيث إن المسار الأسهل لذلك -حسب رأيه- هو تشديد حراسة المساجد ووضع كاميرات مراقبة عليها، كما هو الحال مع منشآت أخرى لا تقل هذه المساجد أهمية عنها، كأقسام الشرطة والمنشآت الحكومية والكنائس.

ويؤكد نبيل في حديثه للجزيرة نت على أن تطبيق هذا القرار من شأنه أن يقضي بشكل كامل على السياحة الدينية بمصر، والتي تعاني من ضعف شديد في المرحلة الأخيرة كما هو واقع السياحة بشكل عام، معتبرا القرار "جريمة مكتملة الأركان في حق التاريخ والحضارة والآثار الإسلامية".

في المقابل، يرى مختار الكسباني أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة قرار نقل هذه الآثار "مهم وضروري" لحمايتها من التعرض للسرقة والتهريب، واصفا في تصريحات صحفية من يرفضون القرار بأنهم "لا يملكون فكرة عن أهمية وقيمة تلك الآثار"، ومؤكدا أن الأثريين الحقيقيين الذين يخافون على تراثهم يؤيدونه ويدعمونه.

مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة (الجزيرة نت)

وشهدت مصر العديد من عمليات سرقة الآثار، من أبرزها ما وقع في اقتحام المتحف المصري القريب من ميدان التحرير خلال ثورة يناير/كانون الثاني 2011، كما سُرق منبر كامل من مسجد قاني باي الرماح بقلعة صلاح الدين الأيوبي منذ أكثر من تسع سنوات، ولم تهتد السلطات إليه حتى الآن، كما تكررت سرقات حشوات المنابر.

ويقول خبراء إن من المستحيل معرفة عدد القطع الأثرية التي سرقت وإن العدد المعلن دوليا لا يتجاوز ثلث السرقات الفعلية، لافتين إلى أن بعض القطع الأثرية تسرق قبل أن توثّق أو يكشف عن وجودها.

المصدر : الجزيرة