النظر وراء الحدود.. على خطى ابن بطوطة

معرض بالعاصمة الرباط يستعرض مسار الرحالة المغربي ابن بطوطة (الجزيرة)
معرض بالعاصمة الرباط يستعرض مسار الرحالة المغربي ابن بطوطة (الجزيرة)

 نزار الفراوي-الرباط

يأخذ المعرض الذي تحتضنه العاصمة المغربية الرباط من 26 أبريل/نيسان الحالي إلى 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل، زواره على جناح رحلة تستعرض مسارا فريدا حققه الرحالة المغربي ابن بطوطة الذي جاب في ظلمات القرن 14 الميلادي مناطق واسعة من العالم.

هي تظاهرة ذات طابع بيداغوجي (تعليمي) يحتضنها متحف البنك المركزي للمغرب، تسائل المتجول بين الأروقة المطعمة بالخرائط والصور التوضيحية ومقتطفات من نصوص الرحالة عن فتنة السفر وشغف القفز على الحدود ومعانقة الآخر المختلف، ثقافة وجنسا ودينا ولونا، في زمن متوتر تطبعه نزعات الانغلاق والانكفاء والخوف من الأجنبي.

"من طنجة إلى القاهرة ومن مقديشو إلى تمبكتو"، شعار المعرض الذي يركز على البعد العربي الأفريقي من الرحلة الكبرى، مقتفيا خطى ابن بطوطة في كل من شمال أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط والسواحل الشرقية لأفريقيا والعدوة الأندلسية وبلاد السودان.

أما الطابع الوثائقي للمعرض فيتمثل -حسب مندوبه الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث أحمد الطاهري- في مجموعة القطع النقدية التي سكّها مختلف الملوك الذين قابلهم ومقتطفات من كتابه وخرائط تستعرض مراحل أسفاره.

ويقول الباحث إن الأمر يتعلق برحلة بصرية تفتح العقول اليوم على حالة فريدة جسّدها ذلك الرجل الملقب بـ "الرحالة الكبير"، الذي أمضى 29 سنة قطع خلالها ما يناهز 120 ألف كيلومتر وهو يطوف أرجاء العالم الإسلامي دون كلل أو ملل، فقد استطاع أن يصل إلى أقاصيه بآسيا الصغرى والسواحل الشرقية لأفريقيا وبلاد السودان وشبه الجزيرة الأيبيرية.

 المعرض يستحضر تجربة الرحالة ابن بطوطة الذي قدم أوصافا عديدة للمجتمعات التي زارها (الجزيرة)

احتفاء بشغف الاكتشاف
ويوضح الباحث المختص في الآثار الإسلامية أن المعرض يود من خلال عرض نماذج وصور لبعض الأثواب ووسائل النقل استحضار بُعدٍ هام في تجربة الرحالة ابن بطوطة، الذي قدم أوصافا عديدة للمجتمعات التي زارها، عاداتها وتقاليدها، ومدنها ومعالمها، سواء في أفريقيا الشمالية أو في الشرق الأفريقي.

"لقد حاولنا أن نقرب الزائر من قدرته في المجال الإثنوغرافي، وهو ما صنع تميزه عن السابقين واللاحقين من الرحالة الكبار"، يؤكد الباحث الطاهري.

يستدعي المعرض سيرة مغامرة بدأت من طنجة حيث قصد الشاب ذو الثانية والعشرين من العمر مكة لأداء الحج، ليصبح السفر والاكتشاف وسبر الأمصار النائية نصب حياة بأكملها.

ها هو ابن بطوطة يحل بتلمسان (الجزائر) في عهد الزيانيين، وبجاية، ثم يزور تونس وصفاقس، ويصف القاهرة والإسكندرية، ويكتب عن عادات بلاد السودان، ويغوص في أقاصي الشرق الأفريقي ليوثق رحلته عبر مقديشو في الصومال ومومباسا في كينيا الحالية وبلاد زنجبار (في تنزانيا).

وللقارئ اليوم أن يتصور أي قدر من المجازفة والعناء تحمله رحلة مفتوحة على المجهول من تقلبات المناخ ومخاطر الطرق وهجمات اللصوص وتكاليف السفر وطول المسافات.

الطاهري: الرحالة ابن بطوطة جسد حالة فريدة (الجزيرة)

أمير الرحلة
ويأتي هذا المعرض في وقت يبدي فيه الكثير من المهتمين بالتاريخ أسفهم لعدم إيلاء العناية اللازمة بتراث رائد الرحلة بما في ذلك ضريحه المتواضع الذي يوجد بطنجة، منزويا في أحد أزقة المدينة، دون أن تبذل جهود كافية لجعله قطبا للسياحة الثقافية ومنارة تستعيد سيرة شخصية باتت بإشعاعها تراثا كونيا، ولو أن الجدل ظل قائما بين المؤرخين حول حقيقة مكان دفنه.

وتكريما لهذا الرحالة، سكّ بنك المغرب ميدالية تذكارية من الفضة ستعرض للبيع بشبابيك البنك ومتحفه، كما أعد المنظمون سلسلة من عروض الدمى المتحركة لفائدة المدارس، سيتم خلالها تسليط الضوء بطريقة ترفيهية على المسار الذي قطعه ابن بطوطة في أسفاره.

يذكر أن محمد بن محمد اللواتي الطنجي ولد سنة 703 هجرية الموافقة لـ1304 ميلادية، ووثق بداية رحلته في كتابه الشهير "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" قائلا "كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمئة، معتمدا حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام".

المصدر : الجزيرة