عمرها قرون.. هل تندثر حرفة "الدباغة" من المغرب؟

الحرفيون يضعون الجلود في الماء المخلوط بالجير لفصل الصوف عنها، ثم في أحواض التلوين الطبيعية (الجزيرة)
الحرفيون يضعون الجلود في الماء المخلوط بالجير لفصل الصوف عنها، ثم في أحواض التلوين الطبيعية (الجزيرة)

ما إن تطلع شمس نهار جديد، حتى يحزم المئات من الحرفيين آلاتهم البسيطة متوجهين إلى دار شوارة لدباغة الجلد بمدينة فاس وسط المغرب.

دار شوارة، واحدة من ثلاث دور تحتضنها المدينة العتيقة بفاس، وتشكل ورشات كبيرة للصناعة الجلدية التي توارثها الحرفيون أبا عن جد، لكن تبقى هذه الدار -التي تتحول كل صباح إلى ما يشبه خلية نحل- أكبرها، إلى درجة أن البعض يلقبها ببورصة الجلد المغربية.

وعلى غرار فاس، تحتضن مدينة مكناس التي تبعد عنها حوالي 60 كلم ومراكش الواقعة في الجنوب المغربي، دورا أخرى لدباغة الجلد؛ لكن الحرفيين يعتقدون أن المنطلق والأصل دائما كان فاس.

وحافظ الفاسيون على النمط التقليدي في دباغة الجلد، بدءا من اقتناء جلود الحيوانات من المجازر، ومرورا بدبغها بالمواد الطبيعية، ووصولا إلى تحويلها إلى أثاث وملابس وحقائب جلدية شاهدة على أصالة ومهارة الصانع التقليدي المغربي.

وإذا كان الحرفيون قد حافظوا على حرفتهم من الاندثار حتى يومنا هذا، فإن أحوالهم هي الأخرى لم تتغير كثيرا، فهم يجترون سنة بعد أخرى المشاكل نفسها التي عاشوها سنوات عديدة، دون أن يفقدوا الأمل في غد أفضل.

خلية الدبغ
عندما انقطع خالد الشلفي عن الدراسة قبل 15 سنة، لم يجد ملجأ يلجأ إليه ليحتمي من حياة الفراغ والفقر غير دار شوارة التي يعود تأسيسها لأكثر من ستة قرون، وكان والده وأجداده يزاولون فيها الدباغة.

يحرص الحرفيون على اقتناء جلود الأبقار والماعز والخرفان لجودتها (الجزيرة)

اقتفى الابن أثر الأجداد وتعلم هذه الحرفة حتى أصبح اليوم ماهرا فيها، يعتمد على نفسه في كل مراحل دباغة الجلد.

يقول خالد -في تصريح للجزيرة نت- إن عملية دبغ الجلد مضنية وشاقة، تبدأ باقتناء جلود الحيوانات وبالخصوص الأبقار والماعز والخرفان، مرورا بفصل الصوف عنها، ووصولا إلى تنقيتها من جميع الشوائب، حتى تصبح جاهزة للتصدير أو التحويل في الصناعات الجلدية المحلية.

ورغم أن الحرفيين في هذه الدار يتقنون تقريبا جميع مراحل الدبغ والتحويل، فإن لكل واحد منهم اختصاصا معينا: فريق مختص في عزل الجلود التي يقتنيها "المْعَلّم" (رئيس المجموعة)، وفريق يشرف على وضعها في أحواض ممتلئة بالماء المخلوط بالجير الطبيعي يسمونها "القصريات".

ويؤكد أحد زملاء خالد المشرفين على هذه العملية، أن وضع الجلود بصوفها في الماء المخلوط بالجير يساعدهم على فصل الصوف، وتستغرق هذه العملية يوما كاملا، قبل أن يتكلف فريق آخر بترتيبها وبسطها على الأرض لفرك الصوف ونزعه، قبل إعادتها إلى هذه الأحواض من جديد لتمكث 15 يوما أخرى بالتمام والكمال.

بعد انقضاء هذه المدة تكون الجلود قد اكتسبت سمكا أكبر، ليتسنى لفريق آخر نقلها إلى أحواض مغايرة، وهذه المرة لوضعها في ماء مخلوط بفضلات الحمام، والحكمة من ذلك -بحسب الحرفيين- رغم ما قد تثيره هذه العملية من غرابة، أنها تساعد على إزالة الشحوم والمواد الدهنية من الجلد، ليصبح ناصعا.

يتم تعريض الجلود بعد تلوينها بالمواد الطبيعية للشمس حتى تجف (الجزيرة)

لكن ذلك لا يكفي للحصول على البياض والصفاء الذي يسعى إليه دائما الصانع التقليدي هنا، فيتدخل في هذه المرحلة فريق رابع مختص في ترقيد الجلود في أحواض النخالة، وفق التعبير الشائع بين الحرفيين، وهي عملية تمكنهم من التخلص من جميع الجراثيم والمكروبات التي يمكن أن تعلق بهذه الجلود. وتستغرق هذه المرحلة حوالي يومين، تبدأ بعدها عملية وضعها في أحواض خاصة بالتلوين.

كل الألوان التي يستعملها الحرفيون تستخلص من مواد طبيعية، وبالخصوص من لحاء أشجار البلوط وقشور الرمان، مما يضفي على هذه الجلود رونقها وجماليتها، قبل أن تتحول إلى حقائب يدوية وأحذية وحتى أثاث منزلي.

تهديد بالاندثار
حتى الآن يعمل في دار شوارة بشكل مباشر حوالي خمسمئة حرفي، إضافة إلى الحرفيين المساعدين في موسم الذروة الذي يتزامن مع فصل الصيف الذي يشهد توافدا كبيرا للسياح على المكان، لكن المشاكل التي يتخبط فيها الصناع يوميا يمكنها أن تعصف بهذه الحرفة فتصبح شيئا من الماضي. 

ويؤكد عمر مرشد المستشار بغرفة الصناعة التقليدية بفاس (هيئة منتخبة) أن الحرفيين هناك -رغم كدهم وجهدهم المضني- يتحصلون في النهاية على أجر يومي لا يتجاوز 150 درهما (حوالي 17 دولارا)، وهذا يتسبب في تراجع هامش الربح بسبب غلاء المواد المستعملة.

بعد انتهاء التلوين والتجفيف يتم تصنيع منتجات عديدة من الجلود تُعرض في متاجر فاس ومدن مغربية أخرى (الجزيرة)

وفي الحقيقة ليس هذا وحده ما يثقل كاهل الصانع التقليدي، فحتى المنافسة من طرف المنتوجات الخارجية المصنعة تشكل عقبة أساسية في طريقه لتنمية مداخيله، وبالخصوص المنافسة التي تشكلها المنتجات الجلدية القادمة من الدول الأسيوية.

وهذا ما جعل رئيس جمعية المعلمين الدباغة عبد الناصر العماري، يؤكد -في تصريح للجزيرة نت- أن هذه الحال قد تؤدي إلى اندثار هذه الحرفة في أي وقت، وبالتالي فإن تدخل الدولة لدعمها أضحى ضروريا.

ومما يعمق أزمتهم، أنهم إلى اليوم لا يحظون بنظام للحماية الاجتماعية، بما في ذلك التقاعد والتغطية الصحية والتأمين، مما يمكن اللجوء إليه لتخفيف أعباء وتكاليف العلاج عند المرض أو ضمان معاش يحفظ كرامتهم في خريف العمر.

وذلك على رغم المحاولات الرسمية لدعم هذه الصناعة التقليدية المهددة بالاندثار، ومنها الأمر الملكي قبل أربع سنوات بإعادة تهيئة عدد من المآثر التاريخية للمدينة العتيقة بفاس، ومن ضمنها دور الدباغة الثلاث لتحافظ على طابعها الأصيل.

كما أن وزارة الصناعة التقليدية تؤكد أنها تولي أهمية كبرى لفئة الصناع التقليديين، خاصة الفرادى منهم الذين يشكلون حوالي 80% من النسيج الإنتاجي في القطاع.

المصدر : الجزيرة