كيف يحاكم قضاء إسرائيل أطفال فلسطين؟

تالة قدورة

أثناء المظاهرات الفلسطينية الواسعة النطاق في نهاية عام 2017 احتجاجا على اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل انتشرت بشكل لافت صور اعتقال جنود إسرائيليين مراهقين فلسطينيين، فقد تم تصوير فوزي الجنيدي وهو معصوب العينين محاطا بأكثر من عشرين جنديا إسرائيليا، ومقيد اليدين من الخلف بينما يجره الجنود، وأمضى الفتى الفلسطيني البالغ من العمر 16 عاما ثلاثة أسابيع رهن الاحتجاز قبل أن يطلق سراحه بكفالة وهو يعاني من رضوض وخلع في الكتف.

عهد التميمي أيضا فتاة كانت في الـ16 من عمرها عندما اعتقلها جنود إسرائيليون من منزلها ليلا أثناء مظاهرات في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ولا تزال قيد الحبس في مركز احتجاز إسرائيلي.

ومع أن فوزي وعهد أصبحا رمزين للمقاومة الفلسطينية إلا أنهما ليس القاصرين الوحيدين اللذين يرزحان تحت وطأة اعتداء منهجي من قبل قوات الاحتلال، فالجيش الإسرائيلي اعتقل 1467 قاصرا فلسطينيا في عام 2017، وفقا لمنظمة الضمير الحقوقية المحلية.

وتقول المنظمة الدولية للدفاع عن الأطفال-فرع فلسطين (DCIP) إن ما بين 500 و700 طفل فلسطيني يمثلون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية كل سنة.

عهد التميمي أثناء مثولها أمام محكمة عسكرية إسرائيلية (الجزيرة)


ويبقى السؤال: كيف يعمل هذا النظام؟
جريمة أمنية
تخضع الضفة الغربية -باستثناء القدس الشرقية- للقانون العسكري الإسرائيلي منذ عام 1967، في حين أن الإسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات غير قانونية بالضفة الغربية المحتلة يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي.

ووفقا للقانون العسكري الإسرائيلي، يمكن اعتقال قاصرين لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة بسبب إلقاء الحجارة غالبا الذي يعد "جريمة أمنية" قد تصل عقوبتها إلى عشرين سنة في السجن حسب عمر القاصر.

ويعتقل العديد من المتهمين في غارات ليلية من قبل جنود إسرائيليين مسلحين ويحتجزون في انتظار مثولهم أمام محاكم عسكرية.

تقول فرح البيادسي -وهي محامية من المنظمة الدولية لحماية الأطفال، فرع فلسطين- "يمكن أن يقتحم الجنود الإسرائيليون منزلا ما في الساعة الثانية أو الثالثة صباحا فجأة ودون سابق إنذار ويضعوا جميع أفراد العائلة في غرفة واحدة ثم يسألوا عن الطفل الذي يريدونه".

وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد وثق نحو 336 غارة ليلية شنها الجيش الإسرائيلي في يناير/كانون الثاني الماضي فقط.

يقول يوسف داود من منظمة الضمير "إنها طريقة لإرهاب الشبان والسيطرة على الناس في سن مبكرة".

وفي شهادات جمعتها المنظمة الدولية لحماية الأطفال-فلسطين ذكر المعتقلون القاصرون أن الجنود يقيدونهم بالأصفاد ويعصبون أعينهم ويعتدون عليهم جسديا ولفظيا أثناء اعتقالهم ونقلهم.

تقول البيادسي لقناة الجزيرة "يبدأ الاعتداء من لحظة الاعتقال وقد يستمر أربع إلى خمس ساعات وأحيانا ست ساعات إلى أن يصلوا إلى مراكز الاستجواب".

إسرائيل تعتبر رشق الأطفال جنودها بالحجارة جريمة أمنية (الجزيرة)

كيف يُستجوبون؟
القاصرون الذين قبض عليهم أثناء الغارات الليلية يصلون إلى مراكز الاستجواب منهكين ويعانون من الشرود والانتهاكات، ويحرمون من الطعام والماء والوصول والذهاب إلى دورات المياه أثناء الاستجواب، بحسب جماعات حقوقية.

كما وثقت إساءات بدنية ولفظية وحرمان من النوم وإذلال وتهديد بالاعتداء الجنسي وتهديدات موجهة لعائلة الطفل.

ومع أنه يحق للقاصرين في الاعتقال العسكري قانونا الحصول على بعض الحماية إلا أن ذلك لا يحدث عادة.

ووفقا للأمر العسكري الإسرائيلي رقم 1745 يجب تصوير استجوابات القاصرين بالصوت والصورة ما لم يكن القاصر متهما بارتكاب "جريمة أمنية"، مثل رمي الحجارة، وهي أكثر تهمة توجه إلى القاصرين الفلسطينيين.

ومن حق والدَيْ المعتقل معرفة مكان اعتقال طفلهما واستلام نموذج مكتوب باللغة العربية يشرح بالتفصيل سبب الاحتجاز وموقع حدوثه.

لكن الشهادات التي جمعتها المنظمة الدولية لحماية الأطفال-فلسطين كانت تظهر عدم إبلاغ الآباء في معظم الحالات التي تم أخذ عينات منها، وفي المرات القليلة التي تم تقديم النموذج فيها كان مكتوبا باللغة العبرية.

ورغم أن للأطفال المعتقلين الحق في الاستعانة بمحام بموجب الأمر العسكري نفسه فإن القليل منهم يحصلون على هذا الحق.

وكان 97% من القاصرين الذين استطلعت المنظمة الدولية لحماية الأطفال آراءهم قد أعلنوا أنهم حرموا من الاتصال بمستشار قانوني قبل وأثناء الاستجواب.

وأفاد 19% من الأطفال الذين حاورتهم المنظمة في عام 2017 بأنهم احتجزوا في الحبس الانفرادي لمدة 12 يوما في المتوسط، وكانت أطول فترة عزل موثقة هي 23 يوما.

وينتهي الأمر بالكثير من القاصرين إلى التوقيع على اعترافات تكتب باللغة العبرية غالبا، وهي لغة لا يفهمها معظم الأطفال الفلسطينيين لكنها تستخدم دليلا ضدهم في المحكمة.

محاكمات عسكرية
يحاكم القاصرون في الضفة الغربية المحتلة بمحاكم الأحداث العسكرية التي أنشئت عام 2009 ردا على انتقادات واسعة النطاق لسوء معاملة إسرائيل للقاصرين.

وفي نظام قضائي حيث القاضي والمدعي العام وحتى الشهود جميعهم من منسوبي الجيش الإسرائيلي ينتهي الأمر بمعظم الأطفال إلى التسوية.

يقول يوسف داود -من منظمة الضمير- "لنفرض أنك تسعى إلى معارضة التهم فأنت بذلك تسعى إلى إجراء محاكمة كاملة وعادلة، وحينها سيقول المدعي العسكري حسنا، حسنا، دعونا نبحث عن العقوبة الكاملة".

يمكن أن تكون العقوبة الكاملة لإلقاء الحجارة أشهرا أو سنوات حسب عمر القاصر.

أثناء محاكمتهم في المحاكم العسكرية للأحداث يعد من هم في سن 16 و17 سنة -مثل عهد وفوزي- من البالغين بموجب القانون العسكري الإسرائيلي.

وقد وجهت لعهد التميمي 12 تهمة يمكن أن تكون عقوبتها عشر سنوات تقضيها في سجن إسرائيلي.

وتحتجز عهد حاليا في سجن هاشارون، وهو أحد السجون الثلاثة التي يزج فيها الفلسطينيون، إلى جانب سجني مجدو وعوفر.

لكن اثنين من السجون الثلاثة توجد في الأراضي الإسرائيلية، وهو ما يشكل انتهاكا للمادة الـ76 من اتفاق جنيف الرابع.

جندي إسرائيلي يطلق الغاز المدمع على متظاهرين فلسطينيين أمام سجن عوفر القريب من رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

ويعني إبقاء القاصرين خارج الأراضي المحتلة أن الزيارات العائلية صعبة ونادرة، ويجب على أفراد العائلة الذين يحملون هويات الضفة الغربية التقدم بطلب للحصول على تصاريح دخول إلى إسرائيل، الأمر الذي قد يستغرق أشهرا عدة، أما الطلبات التي يتقدم بها آخرون فيتم رفضها بذريعة وجود "أسباب أمنية" لا يفصح عنها.

وإذا حصلت العائلة على تصريح فإن أفرادها يقضون يوما كاملا للمرور من نقاط المراقبة وإجراءات التفتيش الأمنية حتى يلتقوا بطفلهم القاصر عبر حاجز زجاجي.

ولا يتلقى الأطفال المعتقلون تعليما كاملا في المعتقل، إذ يتلقون دروسا في مادتي الرياضيات واللغة العربية، في حين تحظر مصلحة السجون الإسرائيلية تدريس المواد الأخرى مثل الجغرافيا والدراسات الإسلامية بحجة وجود "مخاوف أمنية".

وعادة ما يكون تدريس الفصول الدراسية في السجون التي يحتجز فيها البالغون والقاصرون معا من قبل النزلاء الأكبر سنا.

وأظهرت الدراسات التي أجريت على المفرج عنهم انخفاضا بنسبة 40٪ في الأداء المدرسي، بل إن بعضهم هجروا الدراسة مرة واحدة.

معاناة ما بعد الاعتقال
وأظهر تقرير صدر عام 2012 أن نصف الأطفال الذين تمت مقابلتهم يعانون من الانطواء بعد اعتقالهم، مع ما يقرب من 80٪ يعانون من الأرق و90٪ من القلق.

يقول مدير مركز علاج وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب في رام الله خضر رسراس "عندما يطلق سراح هؤلاء الأطفال يشعرون بأنهم غرباء عن مجتمعهم وغير قادرين على التركيز في دراستهم، كما يجدون صعوبة في النوم وانعدام شهيتهم للأكل، ويعانون من أعراض الاكتئاب، وهم متنبهون ومنفصلون عن الواقع".

ويظهر المحتجزون السابقون علامات مختلفة من الصدمات، مثل اضطرابات الأكل المتنامية، والتبول اللاإرادي، والكوابيس، والعدائية المتزايدة، وفقدان الحافز.

ويتذكر داود يوسف أنه كان يعمل مع طفل يدعى شادي من القدس الشرقية أدت تجربته في الاعتقال إلى تعطيل نموه على الرغم من محاكمته بمحاكم مدنية إسرائيلية.

المصدر : الجزيرة