الكرامة أولا.. درس من مقديشو الفقيرة

فرماجو رفض الانحياز لأي طرف بالأزمة الخليجية وطرد الإمارات من موانئ ومعسكرات الصومال (رويترز)
فرماجو رفض الانحياز لأي طرف بالأزمة الخليجية وطرد الإمارات من موانئ ومعسكرات الصومال (رويترز)
ويعد الصومال من أبرز دول المنطقة التي تسعى أبو ظبي للحضور فيها، لكنها تواجه مصاعب حادة في هذا البلد حاليا.

وقد تصاعد التوتر بين الإمارات والصومال الشهر الجاري إثر مصادرة السلطات في مقديشو مبلغ تسعة ملايين وستمئة ألف دولار في مطار مقديشو الدولي، إذ قالت سفارة أبو ظبي هناك إنها كانت مخصصة لدفع رواتب القوات الصومالية التي تشرف على تدريبها.

لكن الشكوك بشأن وجهة تلك الأموال وحديث أطراف صومالية عن أنها كانت مخصصة لإشعال فتيل تمرد مثل ضربة موجعة للعلاقات العسكرية والتجارية التي نسجتها الإمارات في أفريقيا.

واكتسبت العلاقات بين دول الخليج العربي الغنية وأفريقيا -خاصة دول جنوب الصحراء- تسارعا مهما في السنوات الأخيرة، وتمثلت أبرز مظاهره في ضخ استثمارات خليجية ببلدان القارة السمراء.

وفي هذا الإطار، حققت الإمارات مكاسب كبيرة في أفريقيا بفضل الاتفاقيات العسكرية والتجارية التي أبرمتها من جهة مع كل من الصومال وجيبوتي وإريتريا المعروفة باسم دول القرن الأفريقي، كما تواصل تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع كينيا وتنزانيا وأوغندا من جهة أخرى.

وضمن تحركاتها المتصاعدة في القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة افتتحت الإمارات منصات تجارية وقواعد وعسكرية.

ويأتي ذلك في سياق جهودها الهادفة لتشديد الحصار على الحوثيين باليمن من جهة، واكتساب دور أساسي في مسارات التجارة بالبحر الأحمر والمحيط الهندي من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، تكفلت الإمارات بتدريب الجيش الصومالي، وحازت على تشغيل بعض الموانئ في الصومال، فضلا عن افتتاح قاعدة عسكرية بميناء مدينة عصب الإريتري الواقع على الساحل الشمالي للبحر الأحمر.

وفي الصومال حصلت شركة إماراتية على إمكانية تشغيل ميناء بوصاصو في إقليم بونت لاند (شمال شرق)، وقامت بتدريب قوات الشرطة المسؤولة عن حماية الميناء، فضلا عن تدريب القوات الخاصة الصومالية بموجب اتفاق بين البلدين، إلى جانب إبرام اتفاق مع ما تسمى أرض الصومال لتشغيل ميناء بربرة بالتعاون مع الجانب الإثيوبي.

علاوة عن ذلك، كانت الإمارات مسؤولة عن تشغيل محطة دوراليه للحاويات في جيبوتي عبر شركة موانئ دبي العالمية الحكومية.

وفي فبراير/شباط الماضي أنهت حكومة جيبوتي عقد موانئ دبي لتشغيل محطة دوراليه للحاويات، لافتة إلى أنها اتخذت القرار لحماية السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي للبلاد، في حين رفضت الشركة الإماراتية الخطوة وقالت إنها ستتجه للتحكيم الدولي.

بربرة وتركيا والإخوان
كما أعلنت مقديشو في مارس/آذار الماضي عدم اعترافها باتفاق الثلاثي بين الإمارات وإثيوبيا وأرض الصومال لتشغيل ميناء بربرة، معتبرة أن الاتفاق ينتهك سيادتها، وهو الأمر الذي أجج التوتر بين أبو ظبي ومقديشو.

وحسب مراقبين، أسست الإمارات سياساتها الخارجية في أفريقيا وفق أربعة أسس: التجارة والسياحة، مكافحة الإرهاب، القضاء على نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بالمنطقة، وإحداث توازن لصالح الدول الخليجية بمواجهة النفوذ الإيراني.

لكن الحسابات السياسية الإماراتية في المنطقة تعرضت للشلل إثر الانفتاح التركي والقطري على أفريقيا، حيث لا تخفي أبو ظبي انزعاجها من الحضور التركي المتزايد في الصومال والسودان.

وساهمت السياسة الخارجية التركية إزاء أفريقيا في بناء جسور من الثقة مجددا بين تركيا ودول القارة السمراء شعوبا وحكومات.

وافتتحت تركيا مؤخرا مركز تدريب لقوات الجيش الصومالي في مقديشو، كما بدأت مشروعا لإعادة إعمار جزيرة سواكن السودانية، الأمر الذي قابلته الإمارات بمزيد من الانزعاج.

موسم الكرامة والحياد
وتعتبر الانتخابات الرئاسية الصومالية عام 2017 نقطة تحول رئيسية بالنسبة للحضور الإماراتي في القرن الأفريقي، إذ خسر الرئيس السابق للبلاد حسن شيخ محمود المدعوم من قبل أبو ظبي سباق الرئاسة بمواجهة الرئيس الحالي محمد عبد الله فرماجو.

وفضل الرئيس فرماجو الوقوف على الحياد إزاء المقاطعة السياسية والاقتصادية التي فرضتها دول خليجية على قطر منذ 5 يونيو/حزيران 2017، معلنا استمرار علاقات بلاده مع الدوحة.

يذكر هنا أن العلاقات الإماراتية الصومالية بلغت ذروتها في عهد شيخ محمود، إذ كانت الاستثمارات الإماراتية في هذا البلد تزداد يوما بعد آخر.

وفضلا عن مشاريعها العسكرية والتجارية هناك رفعت الإمارات وتيرة مساعداتها الإنسانية في الصومال بهدف الوقوف أمام قوة تركيا الناعمة وحملاتها الإغاثية بالمنطقة، وافتتحت أبو ظبي مستشفى الشيخ زايد في مقديشو بهدف تقديم العلاج المجاني للفقراء والمشردين من الشعب الصومالي.

لكن العلاقات بين أبو ظبي ومقديشو وصلت حد القطيعة إثر حادثة العثور على 9.6 ملايين دولار على متن إحدى الطائرات الإماراتية، مما أسفر عن إيقاف كافة الفعاليات العسكرية الإماراتية في الصومال.

في حين ردت حكومة أبو ظبي على ذلك بإغلاق مستشفى الشيخ زايد بشكل يوضح أن الإمارات "تسيّر مساعداتها الإنسانية إلى البلاد خدمة لمصالحها الشخصية".

المال لإشعال التمرد
ورغم حديث أطراف صومالية عن أن تلك الأموال كانت مخصصة لإشعال فتيل تمرد بالبلاد لا يعرف على وجه الدقة إلى أي جهة كانت مرسلة ولن تتوفر إجابة لهذا السؤال إلا عبر تحقيقات الحكومة الصومالية.

ونتيجة لهذه الحادثة أوقفت الإمارات كافة فعالياتها التجارية وبرامجها التدريبية العسكرية في الصومال، لكن استمرار تأثيرها على الجيش في هذا البلد يدعو للقلق بشأن مستقبل الصومال.

وكان الصومال والإمارات وقعا على اتفاق عام 2014 يسمح للأخيرة بإنشاء قواعد عسكرية في الصومال وتدريب جيشها.

وبموجب الاتفاق خضع الآلاف من الجنود -اعتبارا من العام ذاته- للتدريب على يد ضباط إماراتيين وعملاء سابقين في وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي)، فضلا عن ضباط في الجيش الأميركي.

وحاولت الحكومة الصومالية إيجاد حل لهذه المشكلة من خلال توزيع الجنود الذين خضعوا للتدريب على مناطق متفرقة بالبلاد اعتبارا من 2014.

لكن كما هو معروف فإن الإمارات دربت هؤلاء الجنود لسنوات عدة ومنحتهم رواتب، مما يجعل من خطر قيام هؤلاء بمحاولة تمرد عسكرية قائما.

والسؤال الآخر الذي يرد إلى الأذهان في هذا الصدد هو: هل أرسلت الإمارات سابقا أموالا بنفس الطريقة إلى الصومال، وهل وزعت أموالا على أطراف محددة أم لا؟

المصدر : وكالة الأناضول