الانتخابات العراقية.. موسم الهجرة للخطاب الطائفي

الانتخابات العراقية.. موسم الهجرة للخطاب الطائفي

احتفال انتخابي لعصائب أهل الحق ويظهر فيه شعارهم "إخوة زينب" (الجزيرة)
احتفال انتخابي لعصائب أهل الحق ويظهر فيه شعارهم "إخوة زينب" (الجزيرة)

الجزيرة نت-بغداد

رغم خفوت حدة الخطاب الطائفي في العراق خلال العامين الأخيرين، فإن موسم الانتخابات البرلمانية في العراق شكّل لبعض الأحزاب السياسية ومرشحيها فرصة مناسبة لإعادة إحياء هذا الخطاب لتحقيق مكاسب انتخابية.

فقد تحولت جدران الشوارع إلى ساحة لعرض مئات الآلاف اللافتات التي تعرف الناخبين بسبعة آلاف مرشح، وظف بعضهم مع بدء الحملة شعارات تحمل بعدا دينيا ومذهبيا لعل وعسى أن تنجح في استمالة الناخبين في حين اختار آخرون تقديم وعود اقتصادية وبرامج سياسية.

ورغم أن القانون العراقي يمنع استخدام التحريض الطائفي في الدعايات الانتخابية، فإن الأسابيع الماضية شهدت حالات عدة استخدمت فيها عبارات رأى فيها الكثيرون تحريضا وتغذية للنزعة المذهبية.

ويرى عراقيون أن هذه الشعارات تعيد إلى أذهانهم ذكريات مريرة، ارتبطت بسنوات الشحن والتصعيد الطائفي وما أعقب ذلك من صدامات مسلحة سالت فيها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، وأدت لنزوح الملايين منهم.

توجيه المرجعية
وفي خضم الحملة الانتخابية، دعا رئيس تحالف الفتح هادي العامري العراقيين إلى المشاركة في الانتخابات لاختيار الأصلح وفق "توجيهات المرجعية"، مضيفا أن المرجع الشيعي علي السيستاني يطالب الشعب بالتصويت لصالح ائتلاف الفتح، على حد قوله.

وقد بثت قناة آفاق التابعة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي مقطعا للقيادي في حزب الدعوة عامر الكفيشي وهو يحذر العراقيين من انتخاب أحزاب ذات توجه علماني، ووصف تلك الأحزاب والقائمين عليها بـ"العملاء والناشرين لمبادئ الكفر والإلحاد"، ودعا إلى قتالهم إذا لزم الأمر.

وبث ناشطون مقطعا للأمين العام لحزب الحل محمد الكربولي وهو يخاطب تجمعا جماهيريا بالقول إن السنة هم "الأكثر وطنية" في العراق، وأن الهجمة عليهم لن تتوقف أبدا.

ورغم الاتهامات التي توجه لبعض الكتل السياسية بتبنيها خطابا تصعيديا خلال السنوات الأخيرة كائتلاف دولة القانون فإن المرشح عن الائتلاف سعد المطلبي نفى استخدام كتلته لمثل هذه الخطابات.

وأضاف للجزيرة نت أن بعض الكتل المتنافسة تبحث عن مواضيع تعزز موقفها في الشارع، وهو ما يدفع بعضهم لاستخدام خطاب طائفي أو قومي، لكن أكثر الناخبين باتوا لا يثقون بالساسة الذين يستخدمون مثل هذه الخطابات، على حد قوله.

تجمع انتخابي لكتلة "الصادقون" بحضور رجال دين شيعة (الجزيرة)

"متاجرة بالدين"
وأثار استخدام الخطاب الطائفي والديني تحفظات التيارات ذات التوجهات المدنية التي ترى فيه تحريضا على العنف والإقصاء بحق من يخالف الأحزاب الحاكمة والمتنفذة.

وقال المرشح عن تحالف "تمدن" النائب فائق الشيخ علي إن هذا الخطاب يمثل خطرا على النسيج العراقي، ويهدد بفتنة داخلية وصراع جديد.

وأضاف للجزيرة نت أن الذين يستخدمون هذه الشعارات أساؤوا للإسلام وشوهوا صورته، والموضوع بالنسبة إليهم ليس أكثر من "تجارة"، ومحاولات لإظهار أنفسهم بمظهر المدافعين عن "المذهب والطائفة".

وتابع أن بعض الأحزاب "الدينية" لها سجل في مجال الفساد المالي والاستيلاء على ممتلكات الدولة مما يجعل من هذه الخطابات محاولات "مفلسة وبائسة" لكسب تعاطف الجمهور، على حد وصفه.

الحملة الانتخابية لتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وتظهر في الخلفية صور لمرجعيات وزعامات شيعية (الجزيرة)

استثمار العاطفة
وعن أسباب استخدام "الطائفية" في الحملات الانتخابية، رأى الكاتب الصحفي صهيب الفلاحي أن المجتمع العراقي يميل بطبعه للدين بشكل عام، لكن هذا الميل لا يعني بالضرورة الالتزام الديني، وإنما يمثل ثقافة أو هوية عامة، تتبناها قطاعات واسعة من المجتمع، و"هنا يأتي استثمار هذه الخاصية واللعب عليها بالشكل الذي يحقق مصلحة المرشح أو القائمة".

وأشار الفلاحي إلى أن الموقف القانوني يمنع استخدام الدين والرموز الدينية في الانتخابات، لكن ذلك ليس له أي صدى عملي على الأرض، لافتا إلى أن بعض الشخصيات الرسمية تستدعي أحداثا تاريخية مختلف عليها، وتغلفها بمضامين طائفية للتأثير في أكبر شريحة ممكنة من الجماهير.

ووفق الكاتب فإن هذا الخطاب "عفا عليه الزمن"، وأصبح مبتذلا ويرفضه كثير من العراقيين، لكن بالرغم من ذلك يجري استدعائه وتوجيهه "براغماتيا" إلى بعض الشرائح البسيطة وقليلة التعليم التي لا تزال واقعة تحت تأثير سلطة رجال الدين.

واستغرب الفلاحي لجوء بعض القوى التي تصف نفسها بـ"الليبرالية" إلى تبني مثل هذ الطروحات، لكنها ربما تدرك أن قطاعات واسعة من الجمهور لا تزال متأثرة بهذا الخطاب، فهي تتصرف براغماتيا مع الموضوع، لتحقيق مكاسب انتخابية في الانتخابات المقررة في مايو/أيار القادم.

ولعل السبب الأبرز في تنامي مثل هذه الخطابات وانتشارها -وفق المتحدث- هو ضعف الدولة والعجز عن تطبيق القانون، وهو ما جعل الظاهرة تتجذر حتى بات علاجها يحتاج وقتا طويلا وجهودا مضنية.

المصدر : الجزيرة