وعود بالزواج وولائم لاستمالة ناخبي العراق

وعود بالزواج وولائم لاستمالة ناخبي العراق

دورة لتعليم الحلاقة أقامها مرشح في إحدى مناطق بغداد (الجزيرة)
دورة لتعليم الحلاقة أقامها مرشح في إحدى مناطق بغداد (الجزيرة)

الجزيرة نت-بغداد

في إحدى محلات الحلاقة بمنطقة الدورة جنوب غربي بغداد يتجمع فتية معظمهم دون العشرين، يقولون إن مرشحا جديدا للانتخابات تبرع بإقامة دورة مجانية لتعلم الحلاقة، وصاحب ذلك تغطية إعلامية واسعة ولافتات ترحب بهذه الخطوة "المهمة"، رغم أن المنطقة تخلو من شوارع معبدة وشبكة صرف صحي.

وللانتخابات مواسم في العراق، تكثر فيها الهدايا والتبرعات، ويظهر فيها إلى العلن ساسة لم يسمع بهم الجمهور من قبل، ليقيموا دورات رياضية ومشاريع خيرية، أو ليعبدوا طرقا تشكو الإهمال منذ سنوات طوال؛ ويتندر العراقيون ويتساءلون: ألا يتذكروننا إلا قبيل الانتخابات.

ويتفنن البعض في طرق الدعاية أحيانا، ليصبحوا حديثا للمجالس الشعبية ومواقع التواصل الاجتماعي، فالنائبة عن نينوى جميلة العبيدي تبنت مشروعا لدعم تعدد الزوجات على حسابها الخاص.

من جهته أقام مرشح جديد حفل ختان جماعيا في منطقة شعبية، بينما وزع آخر شاشات تلفاز ضخمة على المقاهي من أجل متابعة مباريات كرة القدم، وتبرع مرشح جديد بتحمل نفقات دورات تقوية لطلبة مرحلة الثانوية العامة، أما إحداهن فقد أقامت دورة لتعليم الخياطة للأرامل.

وعادة ما تكون المناطق الفقيرة والريفية هي المستهدفة من هذه التحركات، فهي تضم كثافة سكانية عالية تمنح المرشحين أصواتا "جيدة"، كما أنها الأكثر تضررا من غياب الخدمات ومتطلبات الحياة الأساسية كالماء والكهرباء والطرق.

دورة لتعليم الخياطة أقامتها مرشحة في منطقة شعبية ببغداد (الجزيرة)

استغلال المناسبات
ويحاول كثير من المرشحين استغلال المناسبات الدينية لتقديم أنفسهم "حماة للمذهب والطائفة"، و"رجال ميدان" يقدمون المساعدة للمشاركين في هذه الطقوس بأنفسهم.

ففي ذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم -التي تمر هذه الأيام وتعد مناسبة شيعية مهمة- كثف ساسة شيعة حضورهم بين الجماهير في الشارع، وتبنى معظمهم إقامة "مواكب عزاء" تقدم الطعام والشراب للزائرين مجانا.

واستغل بعضهم المناسبة كي يزور ضريح الكاظم ويلتقي مع الجمهور ويسجل احتياجاتهم ويعدهم بتحقيقها عندما يفوز، وامتلأت الشوارع بلافتات تحمل شعارات حزبية وصورا لسياسيين كتبت عليها عبارات مأثورة لبعض أئمة الشيعة، أو أقوال لهؤلاء الساسة، تحمل في طياتها وعودا بـ"مستقبل أجمل".

ويرى الناشط المدني عمر فاروق الطائي أن بعض هؤلاء المرشحين ينجحون في استمالة الجماهير، لأن كثيرا من العراقيين تتحكم بهم العواطف والمشاعر الروحية، وخاصة في مثل هذه المناسبات، وبعضهم يتأثر بمواقف هؤلاء الساسة و"تواضعهم"، حين يقدمون خدمات للزائرين بأيديهم أحيانا.

ويضيف الطائي أن نتائج هذا التفاعل ستكون خطيرة جدا على الدولة العراقية والمجتمع، لأن اختيار رجال الدولة ينبغي ألا يتم بهذه الكيفية بل وفق أسس مهنية رصينة.

ويشير إلى قيام بعض المرشحين بتلبية حاجات الناس الأساسية، مستغلين تقصير الدولة في توفيرها، مما يضع الجمهور بين المطرقة والسندان، فإما قبولها وشكرهم عليها؛ أو انتظار أن تتذكرهم الحكومة إنجازها، ربما بعد سنوات.

تيار الحكمة الذي يتزعمه عمار الحكيم أقام بطولة لكرة القدم (الجزيرة)

المال السياسي
ويلعب المال السياسي ووسائل الإعلام دورا كبيرا في إبراز "جهود المرشحين وإنجازاتهم"، فيما تغلق الأبواب أمام من لا يمتلكون أموالا أو قنوات فضائية، وخاصة من المرشحين الشباب.

فراس الدليمي صحفي شاب قرر خوض غمار الانتخابات البرلمانية، وبدأ التواصل مع جمهوره؛ يقول إن إمكاناته المادية محدودة، لكن ذلك لم يمنع من استهدافه من قبل من يصفهم بـ"الجيوش الإلكترونية" لبعض السياسيين.

ويضيف الدليمي أنه تعرض للكثير من المضايقات من مرشحين يرون في وجود مرشح شاب ووجه إعلامي منافسا يهدد حصولهم على أصوات في الشارع وخاصة وسط فئة الشباب، فبدؤوا التشويش عليه وتشويه سمعته، بحسب ما يقول.

ويستعين الدليمي ببعض أقاربه وأصدقائه من أجل إقامة لقاءات تجمعه بناخبيه، ولعدم امتلاكه ميزانية مالية كبيرة فإنه يكتفي بالتواصل معهم عبر هذه اللقاءات وبصفحته على فيسبوك، لنشر آخر أخبار حملته ونشاطاته.

ويصف المرشح ما يقوم به هؤلاء السياسيون بالطرق المستهلكة التي لم تعد تؤثر في الجمهور كثيرا، لكن لا طريق أمامهم سوى القيام بها لكسب بعض الأصوات.

وتقوم كتل متنفذة بشراء واستئجار أماكن وبنايات ضخمة بمبالغ مرتفعة، من أجل استقبال الناخبين فيها وإقامة نشاطات خيرية ودورات تعليمية وبطولات كرة قدم.

أما من لا يمتلكون المال فليس أمامهم سوى العمل بإمكانات بسيطة، من خلال التثقيف وإقناع الجماهير بانتخاب الأصلح، إذا كانوا فعلا يريدون تغيير الواقع المرير الذي يعيشونه منذ 15 عاما، كما يؤكد الدليمي.

ولائم انتخابية
ويقول سعد العاني -وهو صاحب مطعم في منطقة العامرية غربي بغداد- إن مطعمه بات يستقبل باستمرار أعدادا كبيرة من الزبائن، يأتي معظمهم من خارج المنطقة لحضور اجتماعات حزبية وانتخابية لأحد المرشحين، والذي يدعوهم لتناول الغداء أو العشاء على حسابه.

ويؤكد العاني أن مطعمه يقوم باستمرار بتجهيز ولائم كبيرة يقيمها هذا المرشح في حدائق عامة أو في مقره الانتخابي، كدليل على "سخائه" وتفاعل الجمهور معه، لكنه يتساءل إن كان الحاضرون يتفاعلون مع المرشح حقا أم يأتون لتناول الطعام مجانا؟

أما حسام محمد وهو طالب في كلية الآداب بجامعة بغداد، فيحكي عن الطرق التي بات يتبعها بعض المرشحين من أجل كسب أصوات الطلبة، عن طريق إقامة رحلات جماعية أو تقديم بعض المساعدات للطلبة من ذوي الدخل المحدود.

ويضيف: هناك بالفعل نواب خدموا جمهورهم في الدورات السابقة وقدموا لهم الكثير، وهؤلاء ضمنوا صعودهم دون هذه الوسائل "الفجة"، أما الذين لا نراهم إلا أيام الانتخابات فلن يحصلوا على شيء، ربما باستثناء بعض "المجاملات".

المصدر : الجزيرة