أمير قطر في أميركا.. سياسة واقتصاد ودعم أميركي

أبانت تصريحات ترمب خلال لقائه أمير قطر عن تحول في موقفه من الأزمة الخليجية (رويترز)
أبانت تصريحات ترمب خلال لقائه أمير قطر عن تحول في موقفه من الأزمة الخليجية (رويترز)

أمين محمد حبلا-الجزيرة نت

على غير ما توقعت وسائل إعلام دول الحصار، جاءت زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الولايات المتحدة الأميركية حافلة في مختلف أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية.

ومثلت الزيارة حالة انتصار قطري جديد في ظل حصار شامل يوشك أن يكمل عامه الأول، وتحريض إعلامي متواصل، وضغوط سياسية تتولى كبرها لوبيات ناشطة في المشهد الأميركي مدعومة من دول الحصار.

وقبيل بدء الزيارة، تضاربت التوقعات والتحليلات بشأن نتائجها المرتقبة ومآلاتها المتوقعة؛ خصوصا أنها تأتي بعيد جولة قام بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، صال فيها وجال في أنحاء أميركا والتقى بالعديد من ساستها ورجال مالها وأعمالها وتطايرت فيها صفقات مليارية في أكثر من اتجاه، كما أنها تأتي قبيل زيارة أخرى ينتظر أن يقوم بها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد للولايات المتحدة تكمل وتعمق ما بدأه حليفه ابن سلمان.

لقاءات إستراتيجية
تنوعت استقبالات ولقاءات الأمير عسكريا واقتصاديا وسياسيا، ويمكن القول إنه التقى خلال الأيام الماضية بأبرز المسؤولين وأهم صناع القرار الأميركي في مختلف المجالات.

وكان لافتا أنه بدأ جولته الأميركية من ولاية الشمس المشرقة "فلوريدا"، حيث زار مقر القيادة المركزية الأميركية هناك والتقى قائدها الجنرال جوزيف فوتيل وعددا من كبار القادة العسكريين في القاعدة، وهو أمر لا تخفى دلالاته السياسية والعسكرية في ظل الأزمة الحالية في الخليج، بحكم أن هذه القاعدة هي المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنه الخليج، وتحتضن قطر مقرا متقدما لها يتولى مسؤولية الإشراف على مختلف العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة.

وفي واشنطن، شملت لقاءات الأمير عددا من المسؤولين وأعضاء الكونغرس ومديري الشركات ورجال المال والأعمال؛ ولكنها حافظت على الطابع "النوعي" و"الإستراتيجي"، حيث ركزت أكثر على كبار المسؤولين وصناع القرار وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترمب ووزير دفاعه جيمس ماتيس، بالإضافة إلى وزراء التجارة ويلبر روس، والأمن الداخلي كريستين نيلسن، والخزانة ستيفن منوشن، ورئيس مجلس إدارة شركة "إكسون موبيل" دارين وودز وغيرهم.

كما شملت لقاءات الأمير أيضا رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السناتور بوب كوركر، والسيناتور بوب ميننديز نائب رئيس اللجنة ذاتها وعددا من أعضائها في مقر الكونغرس بالعاصمة واشنطن، والتقى كذلك عددا من أعضاء لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، وعقد لقاءا مع النائبة نانسي بلوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب.

الأمير "المحبوب"
ومثل لقاء القمة بين الزعيمين الأمير الشيخ تميم بن حمد والرئيس دونالد ترمب المحطة الأهم في جدول أعمال الزيارة، حيث اتجهت الأنظار صوب البيت الأبيض ورئيسه الذي اتهم الدوحة في مستهل الأزمة الخليجية بدعم الإرهاب وتمويله، ولم يخف انحيازه إلى محور دول الحصار التي كشفت الوثائق والتسريبات ارتباطها بعلاقات "ليست فوق الشبهات" ببعض أهم مستشاريه والمقربين منه.

وخلافا لما توقعته وسائل إعلام تابعة لدول الحصار، أثنى ترمب كثيرا على ضيفه وعلى التعاون بين البلدين، وكان لافتا أنه وصف ضيفه بالأمير المحترم المحبوب من شعبه، متجاوزا بذلك دعاية دول الحصار التي حاولت تفكيك وحدة البيت القطري وقلب نظام الحكم في الدوحة قبل أن تبوء تلك الجهود بفشل متواصل.

وأكد أن "الأمور تسير بشكل ممتاز مع قطر"، مشيدا بجهود أميرها في الحفاظ على الوحدة الخليجية، وقال إن الشيخ تميم "صديق رائع لي ونعمل معا بشكل جيد".

ولم تخل تصريحات الرئيس الأميركي من انعطاف سياسي جديد في مواقفه تجاه الأزمة الخليجية وحصار قطر، تضمن تبرئتها من تمويل الإرهاب بعد أن دحرج كرة الاتهام باتجاه حلفائه السعوديين والإماراتيين؛ حين قال إنه يعمل مع الدول "التي أوقفت تمويل الإرهاب، وهذا يشمل الإمارات والسعودية وقطر ودولا أخرى"، منتقلا بذلك من اتهام الدوحة والتلويح بتمويلها للإرهاب في بدايات الأزمة، إلى نقل التهمة ذاتها إلى مربع دول الحصار (الإمارات والسعودية) التي بنت دعايتها طوال الشهور الماضية على تسويق هذه التهمة.

وقرأ مراقبون عديدون في هذا التصريح تحولا جذريا في موقف ترمب، وربما تكون تداعيات تحقيقات مولر التي تضيق عليه الخناق وتربط جزءا من علاقته المفترضة مع روسيا بالإمارات، باعتبارها كانت -بحسب بعض التسريبات- عرابة هذه العلاقات في بعض محطاتها ومراحلها.

ولا يستعبد مراقبون وفق ذلك أن يكون الرجل ضاق ذرعا بالعلاقة التي تربط ولي العهد السعودي ببعض مستشاريه، وهي العلاقات التي استغلتها الدولتان للتأثير في موقف ترمب من الأزمة الخليجية، قبل أن تتكشف العديد من خيوطها وأبعادها في الفترة الأخيرة.

علاقات وثيقة
ولم تختلف تصريحات المسؤولين والسياسيين الذين التقاهم الأمير عن تصريحات ترمب، حيث أكد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس خلال استقباله أمير قطر أن الحوار الإستراتيجي مع الدوحة يعكس العلاقة المتينة بينها وبين واشنطن، مضيفا "ندرس سبل تعزيز تعاون بلدينا العسكري في المستقبل".

وكأنه بذلك ينفي مرة أخرى ما تردد قبل أسابيع من عزم الإدارة الأميركية على نقل قاعدة العديد من قطر.

من جهته، قال أمير قطر إن مهمة مكافحة الإرهاب التي تنطلق من قاعدة العديد "كانت ناجحة"، وعبر عن استعداده للتعاون مع واشنطن على مكافحة الإرهاب، وشدد على أن قطر لا تقبل ولا تتسامح مع من يدعم الإرهاب أو يموله.

وذكّر الشيخ تميم بالعلاقات "القوية" التي تربط بين قطر والولايات المتحدة وتعود إلى أكثر من أربعين سنة، مشيرا إلى أهمية التعاون الاقتصادي والعسكري القائم بين البلدين.

تعاون اقتصادي يتمدد
ولم يغب الاقتصاد عن مباحثات الأمير القطري ولقاءاته ونشاطاته في الولايات المتحدة، حيث أثنى الأمير على مستوى الشراكة بين البلدين وقال خلال حفل استقباله في غرفة التجارة الأميركية "إن لدينا أكثر من خمسمئة شركة أميركية في قطر، وحجم شراكتنا الاقتصادية يتجاوز 125 مليار دولار، ولدينا خطط لمضاعفة هذا الرقم في المستقبل القريب".

من جانبه، عبّر وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين عن رغبته في أن يكون للولايات المتحدة شركاء كثر مثل قطر، وقال "أعلم أن العلاقة بيننا مهمة جدا منذ زمن طويل، وأعتقد أنها اكتسبت خصوصية أكبر بعد العلاقة التي طورها سموك مع الرئيس ترمب، وأنا أعلم كم يدعمك الرئيس ويدعم بلادك".

وأضاف "إنني أتمنى لو أن لدينا شركاء كثرا مثلك، فلدينا فائض بالتبادل التجاري وأنتم تستثمرون في بلادنا، ولدينا قاعدة عسكرية وتعملون معنا على مكافحة تمويل الإرهاب؛ أقدم لكم الشكر على كل ما تقومون به".

وعلى هامش زيارة الأمير أيضا، أعلنت الخطوط الجوية القطرية عن إبرامها اتفاقية نوايا مع شركة بوينغ لشراء خمس طائرات شحن من طراز بوينغ 777 بقيمة 1.7 مليار دولار، كما أعلنت عن استحواذها على حصة أقلية في شركة "جيت سويت" وعلى حصة غير مباشرة في شركة "جيت سويت أكس" الأميركيتين.

كما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة القول إن شركة إكسون موبيل الأميركية تجري محادثات مع قطر بشأن صفقة استثمارية محتملة في أنشطة الغاز الصخري التابعة للشركة بالولايات المتحدة.

وفي مختلف أبعاد الزيارة، غابت عناصر أخرى كانت حاضرة في لقاءات سابقة أجراها ترمب مع قادة خليجيين، من بينها لوحة الأسعار والصفقات، ولقاء قادة الجالية اليهودية، وزيارة بوش الأب وابنه، كما غابت أيضا المظاهرات المنددة بالزيارة في شوارع الولايات المتحدة.

ومن الواضح أن جولة أمير قطر كتبت سطرا جديدا في مسار الأزمة الخليجية، ووضعت مسمارا في نعش الجهود الهادفة إلى عزلها والتحريض عليها في الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة + وكالات