جيش الإسلام.. مأزق البقاء والخروج من دوما

قيادات جيش الإسلام أكدوا أن المفاوضات مع روسيا لا تتضمن الخروج من دوما (الجزيرة-أرشيف)
قيادات جيش الإسلام أكدوا أن المفاوضات مع روسيا لا تتضمن الخروج من دوما (الجزيرة-أرشيف)

زهير حمداني-الجزيرة نت

يتمترس جيش الإسلام في آخر معاقل المعارضة المسلحة في دوما بالغوطة الشرقية، في انتظار تسوية "مشرفة" مع المفاوض الروسي لا تفضي إلى إخراجه نهائيا من المعادلة في سوريا، في حين تؤكد معادلات الميدان والسياسة مأزقه بالبقاء أو الخروج.

وفي وقت تتواصل فيه المفاوضات بين موسكو وجيش الإسلام على مصير مدينة دوما التي تحاصرها قوات النظام السوري من جميع الجهات وتهدد باجتياحها، تم الاتفاق لأول مرة بين الطرفين على إخلاء الجرحى وذوي الحالات الإنسانية من المدينة، مع استمرار وقف إطلاق النار.

وبعد إجلاء حركة أحرار الشام من حرستا، وفيلق الرحمن من عربين وزملكا وعين ترما وحي جوبر بموجب اتفاقين "توسطت" فيهما روسيا، واستعادة النظام السيطرة على جميع مدن وبلدات الغوطة الشرقية، تتكثف الضغوط لدفع جيش الإسلام للخروج من دوما -وفق شروط النظام- الذي أُمهل خمسة أيام.

وعلى عكس المعطيات الميدانية في الغوطة الشرقية الراجحة لفائدة النظام وحليفته روسيا، والتي أدت إلى خروج كل الفصائل المعارضة المسلحة؛ يرفض جيش الإسلام على لسان الناطق العسكري باسمه حمزة بيرقدار "التهجير القسري والتغيير الديموغرافي لما تبقى من الغوطة جملة وتفصيلا".

وكان القيادي بالتنظيم محمد علوش أكد أن المفاوضات مع الروس قائمة، "ولا تتضمن بأي حال الخروج من دوما". في حين تحدث رئيس المكتب السياسي لجيش الإسلام ياسر دلوان عن "مفاوضات مستمرة وعروض مختلفة وأجواء إيجابية".

جيش الإسلام يسيطر على 13% من مساحة الغوطة التي كانت بيد المعارضة المسلحة (الجزيرة)

مأزق الرهانات
وتتحدث أوساط النظام وروسيا عن التوصل إلى اتفاق مع "مسلحي دوما" يقضي بانسحابهم من المدينة دون تحديد وجهة الانسحاب، لكن جيش الإسلام ينفي دائما هذه الأخبار ويعتبرها إشاعات هدفها النيل من معنويات مقاتليه.

ويعد جيش الإسلام أحد أقوى فصائل المعارضة السورية المسلحة على مستوى العدد والعتاد، ولعل تمركزه الرئيسي في الغوطة الشرقية المتاخمة للعاصمة دمشق وعاصمتها دوما -مسقط رأس عائلة علوش- أكسبه مزيدا من القوة والنفوذ، حيث شارك مع هيئة المفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض، وشارك أيضا في مفاوضات اتفاقات خفض التصعيد.

وفوجئ التنظيم بسرعة إبرام الفصائل المسلحة الأخرى اتفاقات مع روسيا والنظام تقضي بخروجها من مدن وبلدات الغوطة الشرقية نحو إدلب؛ مما أفقده الكثير من أوراق القوة والمناورة؛ باعتباره الفصيل الأبرز، وجعله معزولا ومحاصرا في دوما، ولا يسيطر إلا على نحو 13% من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة.

وفي حين يرى متابعون أن جيش الإسلام فقد جميع أوراقه، وهو ليس بعيدا عن إبرام اتفاق شبيه بالفصائل الأخرى، والخروج من الغوطة؛ يعتبر التنظيم أنه قادر على الصمود لفترة أخرى، وأن المئات أو الآلاف من عناصر جيش النظام والموالين له في سجن "التوبة" تعتبر ورقة مقايضة مهمة، كما أن وجود نحو ستين ألفا من المدنيين وآلاف المسلحين قد يعرقل مخططات النظام لاجتياح سريع.

ويرى جيش الإسلام نفسه كمعارضة معتدلة، شاركت في محادثات جنيف وفي أستانا واتفاقات جنيف وحتى في سوتشي، لذلك يأمل حلا يبقيه في هذه الخانة، ويحافظ على مواقعه في الغوطة، وفق ترتيبات تراعي أيضا مطالب النظام في السيطرة على كامل الغوطة.

وتشير مصادر إلى أن التنظيم يطرح حل عودة كل مؤسسات النظام إلى المدينة دون الجيش والشرطة ودخول الشرطة الروسية مع بقاء المدنيين وحفاظ مقاتليه على أسلحتهم، كما أبدى استعداده لتجديد اتفاق "خفض التصعيد" الذي توسطت فيه مصر قبل أشهر، لكن النظام يرفض ذلك.

وتركز وسائل إعلام النظام على أن الواقع الدولي -بما فيه انعدام اهتمام المجتمع الدولي بقضية الغوطة- والاكتفاء بمتابعة تطوراتها الميدانية، وتسليم المملكة العربية السعودية -وهي الداعمة لجيش الإسلام- على لسان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ببقاء الأسد، وقرار ترمب حول الخروج من سوريا كلها عوامل لا تجعل للتنظيم مجالا للمناورة.

وفي هذا السياق، تبدو الوقائع الميدانية العسكرية في الغوطة ذاتها والمناخ الدولي بتحالفاته المتغيرة وحقائقه غير الثابتة في غير صالح التنظيم، الذي سيطر على دوما والغوطة الشرقية منذ سنوات، ليكون خروج مقاتليه أقرب إلى الواقع وفق محللين، لكن إلى أين؟

جيش الإسلام يرفض الخروج من الغوطة كما فعلت فصائل مسلحة أخرى من المعارضة (الأوروبية)

عقدة الوجهة
ويسعى النظام وروسيا إلى طي صفحة الغوطة الشرقية بالسيطرة على دوما في غضون خمسة أيام - بعد تمديد مهلة أولى- قبل القمة التركية الإيرانية الروسية، وهي الدول الراعية لمسارات أستانا وسوتشي لجرد حساب المسار العسكري والانتقال إلى السياسي.

ويعمل النظام على إخراج نحو ستين ألف مدني من دوما، بعد التوصل إلى اتفاق مع جيش الإسلام لينضموا لنحو 150 ألف مدني خرجوا من مدن وبلدات الغوطة الشرقية، في حين بقي عشرات الآلاف بعد خروج المعارضة المسلحة منها، وفق مصادر النظام.

وإضافة إلى تفاصيل أخرى تمنع الوصول إلى اتفاق أو تؤجل تطبيقه، تبرز مشكلة المكان الذي سيقصده مقاتلو جيش الإسلام والمهجرون من دوما كعقدة رئيسية؛ فعلى عكس الفصائل الأخرى التي توجهت إلى إدلب، لا يملك جيش الإسلام ملاذا آمنا أو حواضن شعبية في تلك المنطقة أو غيرها.

وأشارت تقارير إلى أن جيش الإسلام يخشى التوجه إلى إدلب، حيث النفوذ القوي لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) التي خاض ضدها معارك في الغوطة، كما رفض مقترح خروج مقاتليه إلى منبج بريف حلب الشمالي الشرقي، مقابل بقاء المدنيين وعودة مؤسسات النظام.

المصادر السعودية أشارت من جهتها إلى أن تركيا وفصائل درع الفرات -التي سيطرت مؤخرا على عفرين بريف حلب الشمالي- ترفض استقبال مهجري جيش الإسلام، في حين يرفض النظام -من جهته- خروج مقاتلي هذا الفصيل المعارض إلى القلمون لرغبته في تأمين محيط العاصمة دمشق نهائيا، وتبقى خيارات التوجه إلى درعا أو السويداء غير محسومة.

وفي وقت لا يجد فيه جيش الإسلام في إدلب -التي استوعبت مختلف الفصائل عبر عمليات تهجير واتفاقات مع روسيا والنظام- ملاذا ومستقرا في ظروف الفرز الحالية وتغير النبرة السعودية تجاه نظام الأسد، بما قد تحمله من مفاجآت أخرى؛ تكبر هواجس قياداته حول مآلات التنظيم خارج دوما، وفي المعادلة السياسية والعسكرية بسوريا مستقبلا.

المصدر : الجزيرة