"الطعم والهوية" في أطباق الفلسطينية فداء

صورة فداء أبو حمدية في كتابها عن الأكل الشعبي كهوية فلسطينية (الجزيرة)
صورة فداء أبو حمدية في كتابها عن الأكل الشعبي كهوية فلسطينية (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في عام 2004، سافرت فداء أبو حمدية -من مدينة الخليل (جنوب الضفة الغربية)- إلى إيطاليا لتعلم الطبخ، ولمواجهة وحدتها وحنينها في عيدي الفطر والأضحى كانت تنشغل بإعداد الكعك والمعمول الفلسطيني، وهو ما جعل للعيد معنى وربطها بأجواء عائلتها وبلدها.

ومن هنا، بدأت رحلة فداء في النضال لمجابهة السرقات الإسرائيلية للأكلات الفلسطينية، حيث نظرت إلى طعام بلدها باعتباره جزءا من هوية المنطقة العربية ورمزا لثقافة وتراث أبنائها.

وعام 2009 تخرجت بأطروحة عن "الأكل الفلسطيني بين الوطن والشتات"، وعن اهتمام الفلسطينيين بتناقله بين الأجيال والبلدان، وبإحيائه في مناسباتهم.

وأعجبت فداء بشغف الإيطاليين بطعامهم، وخلال مشاركتها في مدارس صيفية وشتوية عن الطبخ، أعدت "مناقيش" الزعتر والحمص والخبز الفلسطيني.

وتذكر فداء استياءها عندما كانت تُسأل عن الواقع السياسي تحت الاحتلال، أو عند النظر للفلسطينيين "كإرهابيين"، دون أدنى معرفة بثقافتهم وتراثهم.

فداء أبو حمدية مع كتابها "المطبخ الشعبي الفلسطيني" باللغة الإيطالية (الجزيرة)

وجبات وتاريخ
عام 2011، أنشأت مدوّنة خاصة بها، وبدأت تكتب بالإيطالية عن الطعام الفلسطيني ليس من ناحية طريقة إعداده فقط، بل من ناحية مناطق طبخه ومناسباته وقصة كل وجبة وتاريخها أيضا، فكتبت عن أكلات الأعياد والمواليد الجدد والأعراس والمناسبات المختلفة.

ولاحقا، أصبحت مدوِّنة أسبوعية في إحدى الصحف الإيطالية، ونشرت مقالات متسلسلة بعنوان "الطعم والهوية" تحدثت فيها عن فلسطين وطعامها وعاداتها. ومن هذه المقالات عُرفت فداء على نطاق جيد بين الإيطاليين، ومنهم أربعة باحثين حضروا معها إلى فلسطين، وشاركوا بجولة لتدوين وصفات الطعام في مدن الضفة الغربية والقدس.

صحن الحمص إحدى الأكلات التي تنسبها إسرائيل إلى أكلها التراثي (الجزيرة)

وزار الفريق بيوت الفلسطينيين الذين أعدوا لهم وصفات تراثية، وكتبوا عنها وصوروها، وقامت فداء بتوثيق هذه الجولة في كتاب باللغة الإيطالية أصدرته عام 2016، وأسمته "مطبخ فلسطين الشعبي" (POP Palestine Cuisine).

وقسّمت الكتاب إلى فصول تُعرّف بالأكلات حسب المدن الفلسطينية وطريقة إعدادها مع صور للطعام وللنساء اللائي قمن بطهيه، مع نصوص أدبية فلسطينية عن الطعام، وقالت إنه كان بمثابة دليل للإيطاليين عن فلسطين وتراثها من خلال طعامها.

وفي مدينة أريحا -مثلا- وثقت فداء وزملاؤها طريقة صنع حلوى القطايف بالتمر، وفي نابلس تناولوا الكنافة المشهورة، وزاروا الطائفة السامرية (أصغر طائفة في العالم)، وتعلموا إعداد الجبنة بمخثر نباتي لا حيواني، أما من غزة فيوثق الكتاب وجبات الرّمانية والسمّاقية غير المعروفة في مناطق أخرى.

طبق المقلوبة من كتاب فداء أبو حمدية وهو أحد أبرز رموز المطبخ الشعبي الفلسطيني (الجزيرة)

موروث مشترك
وتقول فداء إن الأكلات التراثية الفلسطينية هي جزء من طعام المنطقة العربية عموما، حيث لدى الناس ثقافة وموروث مشترك، بينما تعبر الاختلافات في إعدادها عن تأثر الطعام خلال سفره عبر المجتمعات.

واهتمت بالرد على "سرقة الإسرائيليين للأكل الفلسطيني ونسبته لهم أمام العالم"، وهنا وجدت مدخلا لحماية هوية أكلاتها.

وتشير إلى أن أهم ما نحاول إثباته أن أكلات كالحمص والمقلوبة والمنسف هي موروث خاص بالشعوب التي وجدت وعاشت في هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وكانوا يصنعون طعامهم من مزارعهم وأرضهم التي ارتبطوا بها تاريخيا.

وتدلل على ذلك بالقول إن الشكشوكة (البيض المقلي بالبندورة أو الطماطم) مثلا، التي يروج لها الإسرائيليون كأكلة وطنية، حملها اليهود من أصول مغربية إلى إسرائيل، وهي أكلة تونسية شعبية. وتضيف أنه "لا يمكن لي الآن أن أتعلم الطبخ الإيطالي وأنقله إلى فلسطين وأدعي أنه من تراثي.. هذه سرقة".

وتعتقد فداء بأن احتلال إسرائيل لفلسطين لا يعني أنها صارت جزءا من ثقافة هذا البلد، ولم يحدث بينها وبين أبنائه أي تبادل ثقافي، بل قامت على أنقاضهم". وتذكر كيف يقتلع الإسرائيليون أشجار زيتون عمرها مئات السنين وهي واحدة من مصادر الموروث الغذائي التاريخية لأبناء المنطقة.

مناقيش الزعتر أكلة تعبر عن ارتباط الفلسطينيين بمنتجات أرضهم تاريخيا (الجزيرة)

موروث وصراع
في إحدى المرات جمع فداء لقاء إذاعي مع مدونة إسرائيلية في إيطاليا، تقول إنها ندمت لاحقا على المشاركة، "لأن اللقاء جعل منا مجرد شخصين نتصارع على وصفات غذائية، وليس صاحب حق وسارق له".

ثم تذكر كيف يقدم طبق المفتول "المعد من طحين القمح وزيت الزيتون والدجاج البلدي" على الخطوط الجوية البريطانية كوصفة إسرائيلية، وإلى جانبه صحن الحمص والتبولة وبعض الحلويات الشرقية المعروفة.

وتقول فداء إن الطعام الفلسطيني يشترك في خصائصه مع الكثير من شعوب المنطقة، لكن ما يميزه فعلا هو ارتباطه بهوية الفلسطينيين وتراثهم ونصوصهم الأدبية القديمة والحديثة.

وتذكر كيف صارت القهوة طقسا يثير الحنين إلى فلسطين بعد أن كتب الشاعر محمود درويش من سجنه "أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي"، وكان غياب القهوة قد أزعجه أكثر من السجن نفسه.

وتحاول فداء (35 عاما) التعريف عن نفسها عبر وصفات تراثية تقدمها مصورة في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي متزوجة وأم لطفلة.

وقبل أعوام قليلة فقدت عمّها ميسرة أبو حمدية بعد أن توفي في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وتقيم عائلتها في البلدة القديمة لمدينة الخليل، حيث يسيطر مئات المستوطنين على منازل الفلسطينيين التاريخية ويطردونهم منها.

المصدر : الجزيرة