ابن سلمان بأوروبا.. أشواك على جنبات البساط الأحمر

ينتظر أن ترافق الاحتجاجاتُ الزيارةَ المرتقبة لولي العهد السعودي إلى بريطانيا (رويترز)
ينتظر أن ترافق الاحتجاجاتُ الزيارةَ المرتقبة لولي العهد السعودي إلى بريطانيا (رويترز)

أمين محمد حبلا

بآمال عراض ومخاوف لا تخطئها العين، يتهادى الأمير الشاب محمد بن سلمان نحو القارة العجوز في أول جولة خارجية له بعد تعيينه وليا للعهد في المملكة السعودية، بعد إقالة سلفه الأمير محمد بن نايف.

وتبدو الجولة في سياقاتها وأهدافها أكثر من مجرد زيارة تقديم "أوراق اعتماد" وأقل من "زيارة دولة" على المستوى الرسمي، كما تبدو من زاوية أخرى اختبارا لمستوى الحساسية لدى أوروبا تجاه قضايا حقوق الإنسان، وامتحانا لقدرة قادتها على الجمع بين خطاب المبادئ ومقتضيات المصالح.

حقائب ابن سلمان
تشمل أول جولة خارجية يقوم بها ابن سلمان في منصبه الجديد محطة عربية وحيدة هي القاهرة ومحطتين أوروبيتين (لندن وباريس) قبل أن يولي وجهه شطر واشنطن المحطة الأهم في الجولة التي يعلق عليها الطرف السعودي آمالا سياسية واقتصادية ذات أهمية كبيرة.

ولأن السياسة والاقتصاد توأمان لا ينفصلان، فإن جولة الرجل تجمع بين الأمرين، في ظل ما يصفه المراقبون بالمأزق السياسي الذي تعيشه السياسة السعودية بحكم الأزمات الداخلية المتعلقة بتجليات الصراع على كرسي الحكم، والصراعات المستحكمة مع أطراف فاعلة ومؤثرة في الإقليم سياسيا واقتصاديا، هذا فضلا عن التأثيرات المدوية لانخفاض أسعار النفط على الاقتصاد السعودي.

ابن سلمان سيحاول إقناع الحكومتين البريطانية والفرنسية بموقفه تجاه الأزمة مع قطر، ومحاولة استمالتهما لصالح هذا الموقف، وهي مهمة تبدو عسيرة إن لم تكن مستحيلة بالنظر إلى أن هذه الدول ظلت ترفض منطق التصعيد وتطالب بخفض التوتر والتسوية سياسيا

ووفق مراقبين فإن جولة ابن سلمان في أوروبا والولايات المتحدة تهدف من بين أمور أخرى على المستوى السياسي إلى تثبيت نفسه حليفا رئيسيا للغرب الذي بنى لسنوات طويلة تحالفا وثيقا مع سلفه المقال ابن نايف، كما يسعى أيضا -ضمن خطة الوصول إلى كرسي السلطة- إلى ترتيب وتسوية الآثار والتداعيات السياسية لأزمة اعتقال وملاحقة عدد كبير من الأمراء والوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال، وما أحدثته تلك الأزمة من شرخ عميق داخل الأسرة الحاكمة وفي أوساط طبقة رجال المال والسياسة داخل البلد.

ومن بين أبرز الملفات التي سيطرحها ابن سلمان أثناء لقائه مع المسؤولين البريطانيين الإدراج المحتمل لجزء من أسهم عملاق النفط شركة أرامكو السعودية، وذلك في ظل حرص حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي على أن يكون الإدراج في بورصة لندن.

بيد أن الملف الأهم الذي سيجده ولي عهد السعودية أمامه ليس في لقائه مع المسؤولين الأوروبيين فقط، بل في الشوارع والساحات العامة هو ملف "الحرب في اليمن" حيث يعتبر العديد من النشطاء الحقوقيين -حسب وسائل إعلام بريطانية- ابن سلمان مهندس تلك الحرب التي نتجت عنها أسوأ كارثة إنسانية في العالم بالعصر الحديث.

مبادئ أم مصالح؟
لم يكن الشارع البريطاني في أي وقت من الأوقات منقسما إزاء استقبال مسؤول سعودي كما هو الآن، فبينما ترحب الحكومة بالزيارة وتسعى لإنجاحها بكل السبل، تندد أطراف أخرى وتعتبرها "وصمة عار".

وضمن هذا السياق، وقع 17 نائبا في مجلس العموم البريطاني من مختلف الأحزاب عريضة تطالب ماي بإلغاء زيارة ولي العهد السعودي "نظرا للجرائم الخطيرة التي يرتكبها في بلاده وخارجها".

الموقعون على العريضة حملوا ابن سلمان -بصفته وزيرا للدفاع- مسؤولية الانتهاكات التي وصفوها بالخطيرة خلال الحرب التي يشنها على اليمن مما أدى إلى نشوب أزمة إنسانية كبيرة. وحسب ما جاء في العريضة فإن أكثر من 70% من الإعدامات التي نفذت في المملكة السعودية تمت بعد تسلم ولي العهد السعودي مسؤولياته. كما فرض حصارا على دولة قطر وانتهك حقوق المدنيين الأساسية فيها وفي دول الخليج.

كما نشرت عريضة أخرى -وقعها نشطاء بريطانيون- رفضا لزيارة ابن سلمان. وقالوا فيها إن السعودية تعتبر من أكثر الدول انتهاكا لحقوق الإنسان في العالم، ويجري فيها التعذيب والاعتقال التعسفي على نطاق واسع، وقالت إن عام 2017 وحده شهد إعدام أكثر من مئة شخص هناك.

وأضافت عريضة النشطاء أن ولي عهد السعودية وجه بشكل مباشر للقصف في اليمن، مما أدى إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، وأوضحت أن الحرب تسببت في انتشار المجاعة والكوليرا على نطاق واسع.

وبالتوازي مع ذلك، ظهرت في شوارع العاصمة لندن شاحنات أُلصقت عليها صور وعبارات تندد بالزيارة، وكتب على بعضها "على بريطانيا ألا ترحب بمجرم الحرب محمد بن سلمان".

وإزاء التصامم الذي تقابل به حكومة ماي هذه الأصوات الرافضة للزيارة، دعا الكاتب سايمون تيسدال في مقال له بصحيفة غارديان رئيسة الوزراء لوقف ما أسماه التملق المخجل لنظام قمعي غير ديمقراطي، ولقائده الشاب الدكتاتوري الذي لا ترقى إصلاحاته المروّج لها بشكل مبالغ فيه إلى مجرد قشور لا تقدم.

وقال الكاتب إن زيارة ابن سلمان تمنح ماي فرصة لإظهار التمسك القوي بحقوق الإنسان، قائلا إن كثيرين في بريطانيا وفرنسا -اللتين تشملهما زيارته المرتقبة- يعتقدون أن ابن سلمان سيُفرض عليه نقاش جدي على الأقل حول استمرار نظامه في قمع المعارضين السياسيين والنشطاء، والتمييز المنظم ضد النساء، والاستخدام الروتيني للتعذيب وعقوبة الإعدام وحربه المدمرة في اليمن.

وأشار إلى أن ابن سلمان قلق بشأن زيارته للندن، خاصة أن مجموعات -بينها "الحملة ضد تجارة الأسلحة"- ستنظم احتجاجات بمناسبة الزيارة.

وكانت مبيعات السلاح البريطانية للسعودية قد تضاعفت لتصل إلى نحو خمسة مليارات جنيه إسترليني عام 2015، منها العديد من الطائرات المقاتلة.

المصدر : الجزيرة + وكالات,الصحافة البريطانية