هيئة الحقيقة بتونس.. عراقيل تؤخر النتائج

أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة يسلمون أول ملف إلى القضاء بمحافظة قابس (الجزيرة)
أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة يسلمون أول ملف إلى القضاء بمحافظة قابس (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يستمر الجدل في تونس بشأن قرار هيئة الحقيقة والكرامة المشرفة على مسار العدالة الانتقالية التمديد في عملها سنة إضافية تنتهي آخر العام الحالي، بين من يعتبر القرار صائبا لمعالجة ما تبقى من ملفات ضحايا الانتهاكات ومن يرى في التمديد تبديدا للمال العام.

ويستند قرار تمديد الهيئة إلى الفصل 18 من قانونها الأساسي الذي يخولها اتخاذ هذا القرار مع تعليل أسبابه للبرلمان، غير أن عديد الأحزاب المعترضة على طريقة عمل الهيئة رفضت هذا القرار بينما ذهب بعضها لحد الطعن فيه أمام القضاء بدعوى أنه يعود فقط للبرلمان.

وفي خضم هذا الشد والجذب، قدمت هيئة الحقيقة والكرامة منذ يومين أول ملف لها عن التعذيب والانتهاكات فترة النظام السابق إلى القضاء بمحافظة قابس الجنوبية، وهو واحد من عشرات آلاف الملفات التي نظرت فيها الهيئة لكن لم تنته من التحقيق فيها.

راشد برر تأخر هيئة الحقيقة والكرامة في إنجاز عملها لكثرة الملفات المنظورة (الجزيرة)

أول ملف
حول هذا الملف، يكشف صلاح الدين راشد عضو هيئة الحقيقة والكرامة بأنه يتعلق بقضية اختفاء قسري لناشط إسلامي يدعى كمال المطماطي، ثم تبين لاحقا أنه قتل مطلع التسعينيات تحت التعذيب وأخفيت جثته -بحسب بعض المصادر- في خرسانة استعملت لبناء جسر.

وبالرغم من أن هذا الملف يتعلق بضحية واحدة أعدمها النظام السابق، فإن راشد أكد للجزيرة نت أن الأمر يتعلق بالكثير من كبار الجلادين الذين تورطوا في تعذيب وإخفاء جثة المطماطي أحد المساجين السياسيين الذين كشفت هيئة الحقيقة والكرامة أسرار اختفائهم.

ومن خلال إحالة هذا الملف، تسعى الهيئة إلى محاسبة من ارتكبوا تلك الجرائم سواء كانوا أفرادا أو جماعات، وجبر أضرار ضحايا القمع والاستبداد والفساد، وهو أحد أسس العدالة الانتقالية التي تقوم على كشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الأضرار وصولا للمصالحة، بحسب قوله.

وبسبب كثرة ملفات الانتهاكات المحالة إلى هيئة الحقيقة والكرامة وكثرة جلسات الاستماع السرية للضحايا (46 ألف جلسة) والتحريات المطلوبة للتثبت بصحة تلك الملفات، يقول راشد إن الهيئة لم تتوصل لإنهاء عملها في الوقت المطلوب.

وفي 27 مايو/ أيار 2015 بدأ عمل الهيئة فعليا بعد أن شكلت جهازها التنفيذي وعينت مكاتبها الجهوية وصاغت نظامها الداخلي وغيرها، وكان يفترض أن تنهي أشغالها في مايو/أيار المقبل. لكن تأخر إنجاز مهامها جعلها تلجأ للتمديد سنة إضافية وهو ما خوله لها قانونها الأساسي.

ويقول راشد إنه وقع قبول حوالي 63 ألف ملف تتعلق بمختلف الانتهاكات والتجاوزات التي طالت اليوسفيين وأيضا الإسلاميين واليساريين والنقابيين زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخلفه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

"الحقيقة والكرامة" خلال إحدى جلساتها العلنية لضحايا الانتهاكات (الجزيرة)

تعطيل مقصود
وأوضح أنه يتوقع أن ينصهر البرلمان في عدم الاعتراض على عمل الهيئة باعتبار أنه منساق وراء تطبيق منظومة العدالة الانتقالية كإحدى خصائص الدولة الديمقراطية، مشيرا إلى أن الهيئة قامت بجهد كبير للكشف عن الانتهاكات بين سنوات 1955 ووصولا إلى 2013.

وخلال مراحل عملها، عقدت الهيئة عشر جلسات استماع علنية لضحايا الدكتاتورية بثت مباشرة ولأول مرة بالتاريخ التونسي في وسائل الإعلام، وانتظمت أول جلسة استماع في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 وتعلقت بشهادات ثلاث عائلات من التيار اليوسفي والإسلامي واليساري.

لكن تعقيدات قضايا الانتهاكات لم تكن لوحدها السبب المباشر لتأخر عمل هيئة الحقيقة، إذ يقول راشد إنه تم وضع العديد من العراقيل عن قصد أمام الهيئة لتعطيل عملها وأبرزها منعها من النفاذ إلى أرشيف وزارة الداخلية وعدم تسهيل عملها إداريا.

ورغم ذلك، يؤكد المصدر أن الهيئة ستعمل خلال الفترة المتبقية على التسريع في إحالة الملفات المتماسكة والقوية بالحجج إلى الدوائر القضائية المتخصصة لمحاسبة الجلادين، مبينا أن المعالجة الشاملة للملفات لن تتجاوز بضعة آلاف مقارنة بحجم الملفات الكبيرة (63 ألفا).

انتقاد الهيئة
غير أن بعض السياسيين يرون أن تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة بمثابة تبديد للمال العام بسبب اتهامهم لها بالفشل في إنجاز مهامها وإحالة الملفات إلى القضاء خلال أربع سنوات، متسائلين عن مدى إمكانياتها في إنجاز كثير من مهامها بالتمديد لها سنة.

ويقول منجي الحرباوي النائب عن حركة نداء تونس إن الهيئة تعمل خارج كل السياقات القانونية، في إشارة إلى عدم رجوعها للبرلمان للنظر في إمكانية اتخاذ قرار التمديد من عدمه، متسائلا "بعد أربع سنوات عن تركيزها اكتشفنا أنها لم تفتح سوى ملف. فهل التمديد لها سنة سيمكنها من فتح آلاف الملفات؟".

ويؤكد أن "نداء تونس" التي تحكم ضمن ائتلاف يجمع حركة النهضة ذات الجذور الإسلامية وبعض الأحزاب الصغيرة "لا تعارض إرساء منظومة العدالة الانتقالية وإنما تعارض ما يشوب هذا المسار من غموض في طريقة إدارتها من قبل الهيئة".

المصدر : الجزيرة