مهدي ملكان.. أول "يوتيوبر" كفيف بالعالم العربي

ملكان جالسا قبالة حاسوبه يشعر وكأن العالم بين يديه (الجزيرة)
ملكان جالسا قبالة حاسوبه يشعر وكأن العالم بين يديه (الجزيرة)

سناء القويطي - الرباط

ينهمك الفتى المغربي الكفيف مهدي ملكان في الإعداد لبرنامج جديد يعتزم إطلاقه على قناته الخاصة على يوتيوب، يضع سماعات ضخمة على أذنه ويغرق في عالمه الخاص.

لم ينل مرض المياه الزرقاء الذي أطفأ عينيه في الطفولة من عزيمته وإراداته، فأطلق سنة 2015 قناته الخاصة بمساعدة شقيقه وصار أول "يوتيوبر" كفيف في العالم العربي.

ومن خلالها، يقدم مهدي محتوى متنوعا موجها للمكفوفين والمبصرين، فيقدم مواضيع تقنية، ويتقاسم مع متابعيه حياته الخاصة، واختراعاته، وألعابه الإلكترونية ومغامراته.

العام الماضي، جرب الغوص في مياه البحر الأبيض المتوسط، وشاركه تجربته متابعو قناته الذين تفاعلوا إيجابا معها وأمطروه بوابل من التشجيع والإعجاب.

.. يشرح اللعبة الإلكترونية التي ابتكرها (الجزيرة)

أحلام كبيرة
ورغم أنه لم يتجاوز ربيعه السادسة عشرة فإنه -كما يصفه المقربون منه- كبير بأحلامه التي تعانق السماء وناضج بعقله الذي يموج ويمور بالأفكار.

وليس التدوين المرئي نشاطه الوحيد، فروح هذا الفتى لا تجد راحتها إلا في خوض التحديات وتعلم الجديد، فهو موسيقي ورياضي ومعلق صوتي وممثل ومخترع ومصمم مواقع إلكترونية وعضو في برلمان الطفل ويتكلم ثلاث لغات بطلاقة.

"لو كان التحفيز إنسانا لكان اسمه مهدي ملكان" هكذا يصفه صديقه عماد الملوكي، مشيرا إلى الطاقة الإيجابية التي ينشرها في أي مكان وُجد فيه، حتى إن المرء يبدو صغيرا أمام خياله الجامح وطموحه غير المحدود، على حد تعبير عماد.

.. ويقدم بعضا من ابتكاراته (الجزيرة)

شغف بالابتكار
وبابتسامة لا تفارق شفتيه، يحكي ملكن للجزيرة نت شغفه بالبحث العلمي والتقنيات الحديثة، وهو الشغف الذي غذاه فيه والده عبد الرزاق، فهذا الأخير مهووس بالعمل الحرفي وكرّس حياته منذ تقاعده لمساندة ابنيه الاثنين في تحقيق ما يصبوان إليه.

تتزاحم الكلمات في فم الوالد وهو يصف التقدم الذي أحرزه مهدي في مجال الحاسوب وكيف سهل هذا الأخير حياته وجعله يواجه الظلام المحيط به ويساعد غيره من المكفوفين على مواجهة ظلامهم من خلال التدوينات المرئية التي يقدمها عن استخدامات التقنيات الحديثة للمكفوفين.

رغم ميوله العلمية وحبه للتكنولوجيا والابتكار، وجد الفتى ملكان نفسه مجبرا لا مخيرا يدرس شعبة الآداب بالثانوية. وبأسف تغلِّفه نبرة عتاب، ينتقد النظام التعليمي الذي لا يمنح المكفوفين الخيارات المتاحة لغيرهم في دراسة الشعب العلمية.

وورث ملكان عن والده حب الابتكار والاختراع، فشكلا معا ثنائيا متكاملا. ويطلق الفتى الكفيف العنان لمخيلته، يضع مشروعه الخاص بالاعتماد على حاسوبه، يشرح الفكرة لوالده ويعمل هذا الأخير على تحويلها إلى شيء مادي.

وهكذا تمكنا معا من اختراع عدد من الأجهزة من خلال تدوير المواد المستعملة، وهما لا يسعيان إلى تسجيل براءات اختراع، بل يهدفان من خلال صناعة هذه الأجهزة -حسب مهدي-  إلى تسهيل حياته فالحاجة كما يقال أم الاختراع.

يشكل ملكان الوالد والابن ثنائيا متكاملا (الجزيرة)

اختراعات وهوس
 خيال الابن وشغفه وهوس الوالد وهوايته اجتمعا ليصنعا ما أطلقا عليه اسم كاشف الضوء، يرن هذا الجهاز في حال كانت المصابيح مضاءة ولا يصدر صوتا في حال كانت مطفأة. ويساعد أيضا -كما يقول ملكان - الكفيف على التأكد من إطفاء المصابيح إذا كان وحيدا في المنزل حفاظا على الطاقة.

كاشف السوائل جهاز آخر صنعاه ليتأكد الكفيف من مستوى أي سائل في الكأس، وهو متوفر في الأسواق. إلا أنهما قاما بصناعته اعتمادا على مواد منزلية وأضافا له ميزة الشحن، حيث يصدر صوتا عندما يصل الماء إلى الحد المناسب فلا ينسكب خارج الكأس.

كما ابتكر الثنائي لوحة إلكترونية موصولة بالحاسوب، وهي لعبة موجهة للمكفوفين، فيتوزع على اللوحة عدد من نماذج الحيوانات بالضغط مرة واحدة على أي حيوان ينبعث صوته، وبالضغط عليه مرتين يظهر على شاشة الحاسوب وثائقي قصير يقدم معلومات عن هذا الحيوان، وبإمكان المستخدم خوض لعبة الأسئلة والأجوبة والفوز بالنقاط عند كل إجابة صحيحة.

وإذا كان هوى ملكان معلقا بالتقنيات الحديثة والاختراع، إلا أن حلمه المهني مزاولة الصحافة المكتوبة أو التنشيط الإذاعي، ومن أجل ذلك يشارك على صغر سنه في دورات تدريبية في التعليق الصوتي والصحافة.

ولا يكف الشاب عن الحلم ولا يعرف المستحيل، وبفضل ثقافته الواسعة وشخصيته القوية، ينتزع الإعجاب من الآخرين فلا يرونه وهم يجالسونه كفيفا، إنما يشعرون أمامه بضآلة أحلامهم وبأنهم "كفيفون بضعف عزيمتنا" وفق تعبير صديقه عماد.

المصدر : الجزيرة