فلسطين التاريخية.. صراع الأرض والسكان

الإحصائيات عن تساوي عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية تثير جدلا في المشهد السياسي الإسرائيلي (الجزيرة)
الإحصائيات عن تساوي عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية تثير جدلا في المشهد السياسي الإسرائيلي (الجزيرة)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

كشفت الإحصائيات التي أعلنتها الإدارة المدنية بجيش الاحتلال الإسرائيلي عن تساوي عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية، مما يعكس واقع الصراع الديموغرافي الذي تكتمت عليه تل أبيب، في وقت طفا فيه السجال مجددا على المشهد السياسي الإسرائيلي تجاه حل الدولتين.

فمع إفصاح المؤسسة العسكرية رسميا ولأول مرة منذ احتلال الضفة الغربية والقدس بحرب يونيو/حزيران 1967، عن الإحصائيات والأرقام التي تشير إلى وجود تفوق ديموغرافي طفيف في عدد العرب على اليهود؛ اتسع السجال الداخلي بإسرائيل بين معسكر اليمين الحاكم الذي يدفع نحو تكريس مشروع يهودية الدولة، ومعسكر المركز واليسار الذي يتقوقع بالمعارضة منذ شباط/فبراير 2009، ويناور بحل الدولتين سعيا منه للعودة لسدة الحكم.

الاحتلال قام ببناء المستوطنات على جانبي الخط الأخضر لشطب حدود الرابع من يونيو/حزيران (مواقع التواصل الاجتماعي)

إحصاءات ودلالات
وحسب إحصائيات الإدارة المدنية، يسكن بالضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة نحو خمسة ملايين فلسطيني، حيث لم تشمل الأعداد الفلسطينيين بالقدس المحتلة والبالغ تعدادهم نحو 320 ألفا، في المقابل تشير البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية لعام 2016 إلى أنه يسكن في إسرائيل 6.44 مليون يهودي و1.52 مليون فلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية.

وفي ما يتعلق بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، أفادت البيانات بأن التعداد السكاني للفلسطينيين نما منذ التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول/سبتمبر 1993 من مليون إلى ثلاثة ملايين نسمة، بينما ارتفع عدد السكان اليهود من مئة ألف مستوطن إلى أربعمئة ألف.

رسائل ودلائل
ويقول النائب عن القائمة المشتركة أستاذ القانون الدولي يوسف جبارين إن الإحصائيات تعكس الواقع على الأرض، وأي تغيير -وإن كان طفيفا- في الأعداد فلا يغير من جوهر الصراع الديموغرافي؛ فالفلسطينيون هم أصحاب الأرض الأصليون واليهود أغلبهم من المهاجرين، وفي المستقبل القريب سيتحول اليهود إلى أقلية في أرض فلسطين التاريخية.

ويرى جبارين في حديثه للجزيرة نت أن المؤسسة العسكرية التي تعرف بعمق هذه المعطيات وتعي أهميتها وتداعياتها على التوزان الديموغرافي، اختارت إخراجها للعلن وطرحها على المؤسسة السياسية الإسرائيلية في خطوة تحمل في طياتها العديد من الرسائل؛ ولعل أبرزها أن السلطات العسكرية ما عادت تستطيع مواصلة السيطرة بقوة العسكر والسلاح على ملايين الفلسطينيين، وكذلك لا بد من التوجه نحو تسوية سياسية تضمن مستقبل الدولة اليهودية.

ما يعزز هذه القراءة -حسب جبارين- هو عودة السجال حول حل الدولتين للمشهد السياسي الإسرائيلي، والموقف الغاضب الذي عبر عنه معسكر اليمين الحاكم الذي شكك في الإحصائيات، وقلل من ادعاءات الإدارة المدنية، لدرجة تفنيد وتكذيب هذه الحقائق التي تتعارض مع أجندته ومشاريع القوانين التي يحركها بالكنيست لفرض السيادة الإسرائيلية والاحتلالية وضم الضفة الغربية.

جدار الفصل العنصري بالأراضي الفلسطينية المحتلة يؤسس لدولة "الأبرتهايد" (الجزيرة)

صراع ومعضلة
ويتفق المتحدث باسم "كتلة السلام الآن" آدم كلير مع موقف جبارين، مبينا أن إسرائيل ومنذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، ما زالت تعيش معضلة الهاجس الديموغرافي، وهي الإشكالية التي تصطدم بها في الصراع على يهودية الدولة، علما بأن معسكر المركز كما اليمين الحاكم يعتمد خطابا مزدوجا بشأن التسوية السياسية مع الفلسطينيين.

وقلل كلير في حديثه للجزيرة نت من أهمية هذه الإحصائيات وأثرها على الجدل السياسي داخل إسرائيل بشأن حل الدولتين، لافتا إلى أن اليمين الحاكم برئاسة بنيامين نتنياهو حسم موقفه برفض مبدأ حل الدولتين ويؤسس للضم والتوسع بالضفة الغربية.

ويعتقد بأن معسكر المركز بدا مراوغا بقبوله حل الدولتين بشروط ضمان السيطرة العسكرية في غور الأردن، بينما معسكر اليسار الذي يرى الاحتلال جريمة دولية وتكريسا للأبرتهايد ويدعم مبدئيا حل الدولتين يستبعد تطبيق ذلك على أرض الواقع.

سجال وصفقة
من جانبه، يستبعد خبير الخرائط والاستيطان في بيت الشرق بالقدس المحتلة المهندس خليل تفكجي أن يحدث التوازن الديموغرافي وما تبعه من سجال حول حل الدولتين اختراقا في المشهد السياسي أو حتى في الرأي العام الإسرائيلي، وعزا ذلك إلى تعامل المعارضة الإسرائيلية ومعسكر المركز بعدم الشفافية والوضوح بكل ما يتعلق بإنهاء الصراع، والتأتأة في خطابها بكل ما يتعلق بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة حسب المواثيق والقرارات الدولية.

ولا يمكن الفصل بين الإفصاح عن هذه الإحصائيات ومشاريع قوانين الضم والتوسع و"صفقة القرن" التي تحركها الإدارة الأميركية، حسب تفكجي، الذي رجح في حديثه للجزيرة نت أن التوقيت لنشر مثل هذه البيانات يشير إلى وجود صفقة لتقليل عدد الفلسطينيين بكل السبل المتاحة، وذلك لضمان وتثبيت مشروع يهودية الدولة عبر تبادل الأراضي والسكان وضم المستوطنات.

المصدر : الجزيرة