عـاجـل: المتحدث باسم الحكومة الإيرانية: نعترف رسميا باحتجاجات الناس لكن هذا مختلف عن أعمال الشغب ومثيريه

ماذا سيحدث بغزة إذا أوقفت السلطة رواتب موظفيها؟

السلطة خصمت في أبريل/نيسان 2017 ثلث الرواتب وأحالت نحو عشرين ألف موظف في غزة للتقاعد (الجزيرة)
السلطة خصمت في أبريل/نيسان 2017 ثلث الرواتب وأحالت نحو عشرين ألف موظف في غزة للتقاعد (الجزيرة)

أيمن الجرجاوي-غزة

يرفض الموظف الحكومي طارق عثمان مجرد تصور أحوال أسرته في اليوم الذي يمكن أن توقف فيه السلطة الفلسطينية راتبه الشهري بشكل نهائي، فحدوث ذلك بالنسبة له يعني "انتهاء الحياة".

ورغم أن الأربعيني عثمان يسدد كامل راتبه -البالغ نحو 450 دولارا شهريا- للقروض والمستحقات البنكية، ويستدين فوقه 130 دولارا من البنك لتأمين بعض مستلزمات أطفاله الخمسة، فإنه يقول إن قطع كامل راتبه سيجعله ملاحق قضائيا بسبب الديون.

يقول عثمان للجزيرة نت وهو يجمع فواتير الكهرباء التي تعذر عليه دفعها بسبب خصم أكثر من ثلث راتبه، وقد بلغت اليوم أكثر من 350 دولارا، إن قطع الراتب كاملا "مصيبة كبرى لم نتوقعها يوما".

وأكثر ما يقلق الموظف المدني عدم استطاعته سداد التزاماته لمتجر البقالة ومحطة المياه وغير ذلك من الضروريات، ويبدو ساخطا على السلطة بسبب أنباء عن وقف الرواتب، متسائلا "لماذا يفعلوا بنا ذلك؟ هل يُعاقبون حماس (حركة المقاومة الإسلامية) بقطع رواتب الموظفين بغزة؟".

أما الموظف العسكري الثلاثيني محمد عليوة -الذي يتقاضى نحو أربعمئة دولار شهريا- فيقول إن وقف الرواتب يعني "انهيارا شاملا لغزة، وليس للموظفين فقط"، مستبعدا حدوث ذلك.

ولم يجد عليوة -الأب لثلاثة أطفال- حتى اليوم مبررا لخصم جزء من رواتب موظفي غزة، مضيفا للجزيرة نت "تُخصم رواتب أبناء السلطة الذين ينتمي معظمهم لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) للضغط على حماس! هذا أمر أشبه بمن يُطلق النار على قدميه".

أبو جراد يستبعد قطع الرواتب بسبب "تطمينات" وصلته من مجلس الوزراء ووزارة المالية (الجزيرة)

نفي خجول
وكانت صحيفة معاريف الإسرائيلية قالت في 25 مارس/آذار الجاري إن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني حسين الشيخ أبلغ وزير المالية الإسرائيلي موشي كحلون بنية السلطة قطع رواتب موظفيها بغزة بدءا من الشهر المقبل، وهو الأمر الذي نفته صفحة حركة فتح على فيسبوك، فيما لم تورد الوكالة الرسمية الفلسطينية النفي.

وقرر الرئيس محمود عباس في 19 من الشهر الجاري اتخاذ "إجراءات وطنية ومالية وقانونية" بغزة، بعد اتهامه حركة حماس بالمسؤولية عن تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله في بلدة بيت حانون.

واتخذت السلطة خلال العام الماضي إجراءات "لإجبار حركة حماس بغزة على المصالحة"، منها خصم جزء من رواتب موظفي السلطة، وتقليص التغطية المالية لفاتورة الكهرباء (تراجعت عنه) والتحويلات العلاجية والأدوية، وهو ما انعكس سلبا على الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في القطاع.

عام النكبة
وكانت السلطة تدفع نحو خمسين مليون دولار رواتب لنحو خمسين ألفا من موظفيها بغزة، قبل أن تخصم في أبريل/نيسان 2017 ثلث الرواتب، وتُحيل نحو عشرين ألف موظف عسكري للتقاعد الإجباري المبكر، وهو ما حرم القطاع من سيولة نقدية ليست قليلة.

ورغم أن نقيب الموظفين العموميين في السلطة بغزة عارف أبو جراد يستبعد قطع الرواتب بسبب "تطمينات" وصلته من مجلس الوزراء ووزارة المالية، فإنه يقول إن حدوث أمر كهذا يُخرج القضية عن سياقها النقابي ويجعلها شأنا وطنيا لدى منظمة التحرير الفلسطينية.

ويرى أبو جراد في حديثه للجزيرة نت أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى فصل الضفة الغربية عن القطاع، محذرا من "أمور قد تحدث" بسبب هذا الإجراء، دون مزيد من التفاصيل.

ووفق أبو جراد، فقد كان عام 2017 "عام النكبة" بالنسبة لموظفي السلطة بغزة بسبب تقليص الرواتب وإحالة الآلاف منهم للتقاعد المبكر، ومن شأن أي إجراء آخر أن يجعل الوضع كارثيا أكثر من قبل.

ويؤكد النقابي أن عدم تمكن موظفي السلطة من أداء التزاماتهم المالية بسبب الخصم من رواتبهم، أدى إلى احتجاز "أعداد كثيرة" منهم خلف القضبان، ومن شأن وقفها الزج بمعظم الموظفين في السجون.

الطباع: وقف الرواتب سيكون بمثابة قرار برفع أجهزة الإنعاش عن المريض مما سيؤدي إلى وفاته (الجزيرة)

الرمق الأخير
واعتمدت حركة السوق بشكل أساسي على رواتب موظفي السلطة خلال سنوات الحصار، لكن خصم أكثر من ثلث رواتبهم -بواقع عشرين مليون دولار شهريا- أصاب الاقتصاد في مقتل.

ويعيش اقتصاد غزة منذ 11 عاما حالة "موت سريري"، لكنه وصل مؤخرا إلى "الرمق الأخير"، وفق ما يقول الخبير الاقتصادي ماهر الطباع.

وتجاوزت معدلات البطالة في غزة 43%، وترتفع بين فئة الشباب والخريجين لتصل إلى نحو 60% يشكلون أكثر من ربع مليون غزي، بينما حُرمت أكثر من 70% من الأسر الأمن الغذائي، وفق إحصاءات رسمية.

وتلك مؤشرات اقتصادية "كارثية" -كما يقول الطباع للجزيرة نت- ولا يحتمل القطاع عقوبات أخرى كوقف الرواتب أو غيرها، لأنها ستكون بمثابة "قرار برفع الأجهزة عن المريض" وهو ما سيؤدي إلى وفاته.

ويقول الطباع: "كانت الرواتب تُنشّط الأسواق، وعندما تقلصت انعدمت القدرة الشرائية، وسُحب نحو 240 مليون دولار خلال عام من الأسواق، كان يمكن أن تُصبح ثلاثمئة مليون دولار خلال حركتها".

رفع العقوبات والحصار
وليس أدل على الوضع الإنساني والاقتصادي المتردي من وقوع 80% من سكان غزة تحت خط الفقر في ظل الحصار المشدد، وبعد ثلاث حروب إسرائيلية.

وبالنسبة إلى رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار النائب جمال الخضري، فإن غزة -التي تعيش أوضاعا مأساوية- لا تحتمل المزيد من العقوبات أو التقليصات في خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، المقدمة لنحو مليون لاجئ.

ويشدد الخضري في حديثه للجزيرة نت على أن قضية غزة "سياسية لها وجه إنساني"، يجب أن يُعالج عبر إنهاء الحصار ورفع العقوبات وتحقيق الوحدة الوطنية. 

المصدر : الجزيرة