أي مصير للعدالة الانتقالية بتونس؟

حالة من الفوضى سادت البرلمان التونسي بسبب الخلاف حول تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة (الجزيرة)
حالة من الفوضى سادت البرلمان التونسي بسبب الخلاف حول تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة (الجزيرة)

 خميس بن بريك-تونس

رغم أن رفض تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة، المشرفة على مسار العدالة الانتقالية في تونس، كان يطبخ على نار هادئة منذ زمن، فقد سادت حالة من الفوضى جلسة النقاش داخل البرلمان بشأن طلب الهيئة تمديد عملها، وخلقت تساؤلات محيرة حول مصير العدالة الانتقالية.

وعقب إعلانه مساء أمس الاثنين بدء التصويت على التمديد لعمل الهيئة إثر جلسة ماراثونية دار حولها خلاف كبير بشأن شرعيتها القانونية، اعتبر رئيس البرلمان محمد الناصر -أحد قيادات حركة نداء تونس- أنه تم رفض قرار التمديد بعد التصويت بصفر لفائدته مقابل اعتراض 68 نائبا.

ورفضت حركة النهضة (68 نائبا من أصل 217 نائبا) وبعض الكتل المؤيدة لتمديد عمل الهيئة التصويت إثر الجلسة بدعوى أن رئيس البرلمان كان منحازا ضد هيئة الحقيقة، متجاوزا صلاحياته في إدارة الجلسة، وأعطى البرلمان حقا لا يمتلكه في التصويت على التمديد من عدمه.

وتستند مقاطعة هؤلاء الكتل للتصويت على الفصل 18 من القانون الأساسي لهيئة الحقيقة والكرامة الذي حدد عملها بأربعة أعوام من تاريخ تسمية أعضائها قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة سنة بمجرد قرار معلل من الهيئة يُرفع إلى البرلمان بالتشريع قبل ثلاثة أشهر من نهاية عملها.

سهام بن سدرين (يمين من الأسفل) خلال جلسة مثيرة للجدل بالبرلمان حول التمديد سنة للهيئة (مواقع التواصل الاجتماعي)

رفض التمديد
لكن الكتل الرافضة لقرار التمديد -وبينها كتلتا حركة نداء تونس وحركة مشروع تونس- اعتبرت أن القرار المعلل يحتاج وجوبا تصديق البرلمان، كاشفة عن فرحتها بعد الجلسة العامة من عدم تحصل الكتل المؤيدة لقرار التمديد على الأغلبية المطلقة (109 أصوات) لفرض التمديد.

وبقطع النظر عن الأصوات الرافضة (68 صوتا)، يقول النائب عن حركة مشروع تونس حسونة الناصفي للجزيرة نت إن الكتل المؤيدة لقرار الهيئة تمديد عملها حتى نهاية العام الجاري، فشلت عند عملية التصويت في جمع 109 أصوات لحمل البرلمان على التصديق على التمديد.

وقانونيا هذا يعني أن عمل هيئة الحقيقة والكرامة التي تحقق في الانتهاكات بين 1955 وحتى 2013، سينتهي في 31 مايو/أيار المقبل بعد استكمال أربع سنوات من عملها، وبالتالي سيتعين عليها الإسراع لاستكمال ما تبقى من عملها في وقت وجيز، لا سيما إعداد تقريرها الختامي.

الناصفي: مسار العدالة الانتقالية يمكن أن يتواصل بسن قوانين جديدة (الجزيرة)

وحول مصير العدالة الانتقالية بعد إنهاء عمل الهيئة، يقول الناصفي إن "مسار العدالة الانتقالية يمكن أن يتواصل بسن قوانين جديدة تجبر الأضرار وتحقق المصالحة بعيدا عن سياسة الانتقام وتقسيم التونسيين وإهدار المال العام كما فعلت الهيئة الحالية".

وبشأن موقفه من شكاوى الهيئة بتعطيل عملها وعدم السماح لها بالنفاذ للمعلومة من قبل وزارات الدفاع والداخلية وأملاك الدولة وغيرها، يقول الناصفي إن "الهيئة كانت سببا رئيسيا في توتر العلاقات مع مؤسسات الدولة بسبب الأداء المتسلط لرئيستها سهام بن سدرين".

تأويل مغاير
لكن يبدو أن نتيجة التصويت على التمديد لهيئة الحقيقة تحتمل تأويلات مغايرة بالنسبة للبعض الآخر، إذ يقول النائب عن التيار الديمقراطي غازي الشواشي إن نتيجة التصويت لا تخدم الرافضين للتمديد لهيئة الحقيقة والكرامة "لأنهم لم يتحصلوا حتى على ثلث الأصوات (73 صوتا)".

ويؤكد للجزيرة نت أن النظام الداخلي للبرلمان التونسي يحتم الحصول على ثلث الأصوات كحد أدنى على الأقل حتى يكون التصديق ساري المفعول، وهو ما يعني -حسب نظره- أن "التمديد لعمل هيئة الحقيقة والكرامة سيتواصل إلى غاية نهاية العام الجاري لأنه لم يجد اعتراضا قويا".

وعن سبب مقاطعة التصويت، يقول الشواشي إن كتلا عديدة "رفضت أن تكون شاهدة زور على بطلان عقد الجلسة العامة وتعسف رئيس البرلمان على القانون وانحيازه ضد هيئة الحقيقة بسبب قضايا تعذيب تلاحقه"، كاشفا عن أن حزبه بصدد توقيع عريضة لسحب الثقة منه.

ويؤكد أنه لا يوجد أي مصطلح في النص القانوني المنظم لعمل هيئة الحقيقة والكرامة يشير من قريب أو بعيد لإحالة قرار هيئة الحقيقة التمديد في عملها إلى مصادقة الجلسة العامة، معتبرا أن "هناك محاولات لإجهاض مسار العدالة الانتقالية والتستر على جرائم المنظومة القديمة".

رد الهيئة
وبشأن ردود هيئة الحقيقة والكرامة حيال نتيجة التصويت يقول عضوها صلاح الدين راشد للجزيرة نت إن "رئيس البرلمان كان منحازا ضد الهيئة، وارتكب الكثير من الإخلالات الإجرائية"، مؤكدا أن القانون يعطي للهيئة الحق في تمديد عملها سنة إضافية دون مصادقة البرلمان.

ويضيف بشيء من الاستياء "هناك منظومة اشتغلت بشكل خبيث لضرب هيئة الحقيقة والكرامة وتعطيل مسار العدالة الانتقالية أحد ركائز الانتقال الديمقراطي"، لكنه أشار إلى أن الهيئة ستعمل في إطار إرادة المشرع (البرلمان) وستنهي عملها في 31 مايو/أيار المقبل.

المصدر : الجزيرة