عندما يضغط الشارع الأميركي لـ"نزع سلاح" ترمب

مظاهرة تطالب بتقييد حمل السلاح في فلوريدا في 24 مارس/آذار 2018 (رويترز)
مظاهرة تطالب بتقييد حمل السلاح في فلوريدا في 24 مارس/آذار 2018 (رويترز)

ليلى لعلالي-الجزيرة نت

إذا كان امتلاك السلاح في الولايات المتحدة الأميركية يكفله الدستور، فإن هذا الحق قد تحول إلى لعنة تطارد الأميركيين مع ازدياد حوادث القتل والقتل الجماعي في المدارس والشوارع بمختلف الولايات. ويواجه الرئيس دونالد ترمب -المدافع عن حق امتلاك السلاح- موجة غضب وسخط من شباب وطلاب مدارس، فقدوا أمنهم الشخصي حتى على مقاعد الدراسة.

تقنين دستوري
يعد حمل السلاح ظاهرة متجذرة في الثقافة الأميركية، انطلاقا من مبدأ احترام الحرية الفردية، وقد أقره الدستور في ديسمبر/كانون الأول 1791، حيث منح الأفراد حق امتلاك السلاح من أجل الدفاع عن أنفسهم.

وأصدرت المحكمة العليا الأميركية عامي 2008 و2010 قرارا تاريخيا، أكدت فيه أن المادة الثانية من الدستور تحمي حق الفرد في امتلاك سلاح ناري من دون أن يكون شخصا عسكريا أو مرتبطا بالجيش.

وتختلف القوانين المتعلقة ببيع الأسلحة من ولاية أميركية إلى أخرى، ففي ولاية مثل تكساس يستطيع الفرد حمل السلاح من دون ترخيص لأن القانون يبيح له ذلك، كما يتم بيع الأسلحة والذخيرة وشراؤها على المواقع الإلكترونية التي تعد سوقا ضخمة لها.

هذا الحق الذي أقره دستور 1791، سمح لحوالي نصف سكان الولايات المتحدة من المدنيين بامتلاك أنواع مختلفة من الأسلحة، لتصبح الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح لمواطنيها بحمل السلاح حتى في الشوارع. ويشير خبراء إلى أن هناك أكثر من ثلاثمئة مليون قطعة سلاح بين أيدي الأفراد في البلاد.

نقمة وجدل
غير أن هذا الحق المقنن بموجب الدستور قد تحول مع مرور السنوات إلى نقمة تطارد العائلات الأميركية، بعد أن استغل في ارتكاب جرائم قتل بشعة في العديد من الولايات خلفت سقوط الكثير من القتلى.

إذ إن من الشباب مَن يعيش الفراغ الروحي ويعاني من أمراض نفسية وعقلية، وتقوده مشكلاته إلى ممارسة القتل والقتل الجماعي، حتى بات يستهدف المؤسسات التعليمية ودور السينما وكل الأماكن التي يتجمع فيها الناس، وتساعده على ذلك الأسلحة التي يسهل الحصول عليها.

وبحسب إحصائية صادرة يوم 26 فبراير/شباط 2018 عن منظمة "أرشيف العنف المسلح" (غير الحكومية)، فإن حوادث إطلاق النار التي شهدتها الولايات المتحدة منذ مطلع 2018 وحتى أواخر فبراير/ شباط الماضي (خلال شهرين فقط) أفضت إلى مقتل 2249 شخصا.

كما تشير إحصاءات المنظمات المناهضة للسلاح إلى أن شخصا يموت كل 17 دقيقة في أميركا بعنف السلاح، أي بمعدّل 87 قتيلا يوميا.

ورغم المآسي الكبيرة التي تتسبب فيها حوادث القتل، فإن الأميركيين ما زالوا يختلفون في نظرتهم للحد من هذه الحوادث، حيث يدور الجدل حول موضوع امتلاك السلاح بين فريقين: الأول يرى أن حمل السلاح حق كفله الدستور الأميركي، والثاني يطالب بتقييد هذا الحق من خلال إجراءات تحد من حصول المواطن على السلاح.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، طالبت صحيفة نيويورك تايمز الواسعة الانتشار في الولايات المتحدة بتشديد قوانين بيع السلاح، وأكدت في افتتاحية نشرتها في الصفحة الأولى للمرة الأولى منذ 95 عاما، أن امتلاك الأفراد سلاحا فتاكا بهذه السهولة يُحدِث غضبا أخلاقيا وعارا وطنيا.

وحاول الرئيس السابق باراك أوباما -وهو من مؤيدي الفريق الثاني- خلال فترة حكمه أن يحقق السبق في هذا المجال، ودعا إلى إصدار قوانين تضع شروطا صارمة لبيع الأسلحة، لكنه اصطدم بالكونغرس، حيث رفض مجلس الشيوخ في أبريل/نيسان 2013 مشروع قانون بشأن توسيع التحريات والحصول على السجل العدلي لكل من يرغب في شراء قطعة سلاح عبر الإنترنت أو المعارض.

غير أن الرئيس دونالد ترمب -المدعوم من قيادات الحزب الجمهوري المحافظ ومن لوبي شركات تصنيع الأسلحة- وقف حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض ضد تقييد حمل السلاح، وكان قد حظي خلال حملته الانتخابية بدعم "الجمعية الوطنية للبنادق"، وهي لوبي للأسلحة النارية واسع النفوذ.

كما سبق لترمب أن تعهد بعدم تقييد حق المواطنين في حمل أسلحة نارية "أبدا". وعقب هجوم فلوريدا الذي وقع في مدرسة ثانوية في فبراير/شباط 2018 وخلف 17 قتيلا، ألقى ترمب باللوم على مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، واتهمه -في تغريدة على تويتر- بأنه "أمضى وقتا طويلا جدا في محاولة إثبات تواطؤ روسيا" مع حملة ترمب الانتخابية.

ومنذ هجوم فلوريدا يتعرض الرئيس ترمب إلى ضغوط، ليس من المشرعين الديمقراطيين فحسب ولكن أيضا من الشباب وطلاب المدارس الذين أصبحوا يخشون على حياتهم حتى على مقاعد الدراسة، وقد خرجت مظاهرات حاشدة في 24 مارس/آذار 2018 في مختلف أرجاء الولايات المتحدة -بينها فلوريدا وواشنطن وبوسطن وشيكاغو ولوس أنجلوس- مطالبة بتشديد قوانين حيازة السلاح.

وحملت المظاهرات شعار "مسيرة من أجل حياتنا"، وطالبت بحماية الأطفال من انتشار الأسلحة؛ وهي تشكل ورقة ضغط على الرئيس الأميركي ولوبيات السلاح التي تدعمه، خصوصا أنها هذه المرة من الشارع الأميركي الذي مل مشاهد الدماء والدموع في المدارس والثانويات. فهل ستنجح هذه الحشود في حمل ترمب على التنازل؟

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية