سلطة الولي.. عندما تخلع السعودية عباءة الصحوة

أحمد دعدوش

انتشرت آلاف التغريدات في فضاء تويتر تحت وسم "كيف_نجوت_من_الصحوة" ليصبح من الأكثر تداولا أمس السبت، واستغله الكثيرون للطعن في هذه الحركة الإسلامية التي عمت المجتمع السعودي خلال الثمانينيات. وتزامن ذلك مع تصريح جديد لولي العهد محمد بن سلمان يعلن براءة الوجه الجديد للدولة من الصحوة.

انطلقت حركة الصحوة بعد حدثين مفصليين وقعا عام 1979، وهما حادثة احتلال الحرم المكي على يد جهيمان العتيبي وجماعته، والثورة الإسلامية التي قادها روح الله الخميني في إيران، حيث شكلت الأولى صدمة للمجتمع الذي لم يكن متقبلا للانفتاح القسري على الحداثة، بينما شكلت الأخرى أكبر تحدّ خارجي متمثلا في المد الشيعي، فأطلقت حكومة الملك فهد بن عبد العزيز العنان لمشايخ الصحوة السلفية كي يتصدروا المشهد.

كان المجتمع السعودي أرضا خصبة ومستعدة لتشرب النشاط الدعوي المتحمس، حيث سبق احتواء السعودية لقياديي وعناصر حركة الإخوان المسلمين الهاربين من مصر وسوريا، ووجد الجيل الدعوي الجديد الطريق مفتوحا في المدارس والجامعات وحلقات تحفيظ القرآن الكريم ووسائل الإعلام الرسمية والخاصة.

يقول المغرد عبد العزيز الحربي تحت وسم "كيف نجوت من الصحوة"، إن هذه الحركة مرت بثلاث مراحل سلفية: الأولى سلفية نجدية برعاية حكومية ردا على الثورة الخمينية، والثانية سلفية جهادية برعاية أميركية ردا على الغزو السوفياتي لأفغانستان، والثالثة سلفية جامية برعاية أمنية ردا على المشايخ والدعاة الرافضين للاستعانة بالقوات الأميركية في عملية "عاصفة الصحراء" أثناء حرب تحرير الكويت ضد نظام صدام حسين في العراق.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من حرب على الإرهاب، حوصرت الصحوة رسميا في السعودية، وحفلت الصحف والفضائيات والمنتديات الإلكترونية -قبل ظهور مواقع التواصل- بموجة "اعترافات" يعلن أصحابها "التوبة" من الصحوة، على اعتبار أنها باتت رديفا للإرهاب نفسه.

 

مرحلة الحسم
وفي آخر مراحل التذبذب الرسمي، تتبنى الرياض حاليا في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله وولي عهده الشاب سياسة لا تقبل المواربة، حيث أعلن الأخير في مناسبات عدة معاداته الصريحة للصحوة.

وكان آخرها تصريحاته المنشورة اليوم الأحد في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، حيث قال ردا على سؤال عن الاتهامات بالإرهاب الموجهة للفكر الوهابي، إن الاستثمار في المساجد والمدارس يعود إلى الحرب الباردة عندما طلب الحلفاء (الغربيون) من السعوديين استخدام مواردهم لمنع اعتداء الاتحاد السوفياتي على البلدان الإسلامية.

وأضاف ابن سلمان أن الحكومات السعودية المتعاقبة ضلت الطريق، وأنه يجب إعادة الأمور إلى نصابها الآن.

ونشر وزير التعليم السعودي أحمد العيسى تصريحات على موقع الوزارة قال فيها إن بعض رموز الإخوان الذين هربوا من مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ساهموا في صياغة المناهج التعليمية، وإنه ستتم إعادة صياغتها وضمان خلوها من منهج الإخوان، ومنع الكتب المحسوبة عليهم، وإبعاد كل من يتعاطف معهم عن أي منصب تعليمي.

وبالتوازي، تداول رواد مواقع التواصل مقطع فيديو لوزير الخارجية الأميركي المقال ريكس تيلرسون يؤكد فيه خلال جلسة بالكونغرس أن السعودية بدأت الاستجابة لطلبات أميركية بتعديل المناهج الدراسية.

وفي هذه الأثناء، تصدّر وسم "كيف نجوت من الصحوة" الفضاء الرقمي بتغريدات جاء معظمها باللغة الإنجليزية، مما يرجح أنها جزء من حملة موجهة للغرب ينفذها "الذباب الإلكتروني"، وتتبنى صيغة التبرؤ من الصحوة.

ومن بين المغردين، الداعية عبد العزيز الموسى الذي تكرر ظهوره في الفضائيات السعودية مؤخرا، حيث قال في إحدى تغريداته "الحمد لله، نجوت من الغفوة والصحاينة العرب بعد أن طلبت العلم وعرفت الحقائق التي غيبوها عن المجتمع، فنذرت نفسي لمواجهتهم، والحمد لله الذي نصرني عليهم".

 

كما كتب المحامي نايف آل منسي أن "حضوري لدروس الشيخ (ابن) العثيمين أخرجني من الصحوة السرورية (نسبة إلى الداعية محمد سرور زين العابدين) إلى الصحوة العامة وبقيت فيها لسنوات.. ثم خرجت من الصحوة نهائيا بالبحث والنقد وطرح الأسئلة.. ثم بحثت عن أصل الصحوة ومنشئها فوصلت إلى حقائق صادمة.. وكلّفني ذلك أثماناً باهظة".

لكن مغردين آخرين فضلوا تسليط الضوء على دور السلطة، فقال المغرد تركي الشلهوب إن الملك فهد امتدح الصحوة بصراحة في الثمانينيات، مما يعني أن "الصحوة صنعتها الدولة، وبعد انتهاء مهمتها، تريد الآن القضاء عليها".

ووثق حساب سعودي معارض يحمل اسم "خط البلدة" بالفيديو دعم السلطة للمجاهدين الأفغان، وقال في تغريدة إنه ينبغي توجيه سؤال "كيف نجوت من الصحوة" إلى ابن سلمان نفسه بعد اعترافه بأن حلفاء السلطة طلبوا منها "استخدام الفكر الوهابي ضمن الحرب الباردة".

سلمان العودة وعائض القرني وسفر الحوالي كانوا من قادة الصحوة (مواقع التواصل)

ما بعد الصحوة
في عام 2005، نشر المؤلف الأميركي كينيث تيمرمان كتابا بعنوان "العد التنازلي للأزمة.. المواجهة النووية المقبلة مع إيران"، وقال فيه إن نحو ثلاثة أرباع الشعب الإيراني هو "جيل ما بعد الثورة" الذي نشأ بعد ثورة الخميني، وهو الجيل الذي يمكن للغرب التعويل عليه لإعادة بناء المجتمع الإيراني لأنه لم يحمل شعارات الثورة ولا يشعر بالانتماء إليها.

واليوم يقبع أهم قادة حركة الصحوة في السجن، ومنهم سلمان العودة وعوض القرني ومحمد موسى الشريف ومحمد صالح المنجد. وبينما "طلق" عائض القرني "السياسة بالثلاث" حسب تعبيره، فإن ناصر العمر وسفر الحوالي يكادان يغيبان عن المشهد.

وفي المقابل، تفسح سياسات ابن سلمان "الإصلاحية" المجال لجيل جديد من الشباب العائدين من رحلات الابتعاث في الولايات المتحدة، والحاملين لثقافة جديدة قد تحمل ملامح مرحلة "ما بعد الصحوة".

المصدر : الجزيرة